غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

شريهان عيد.. حكاية مؤلمة "بتر وفقد" ثم نهوض كالعنقاء إلى ركلات الأمل

شريهان عيد
شمس نيوز - مطر الزق

ما إن تدور عقارب الساعة نحو التاسعة صباحاً يوم الأربعاء من كل أسبوع، حتى تبدأ شريهان عيد تجهيز العكاكيز جيداً، تفحصهما، تقلبهما، تمسح الغبار الذي علق بينهما، وهنا تحدث نفسها بدموعها: "هل ستلازمني هذه العكاكيز طيلة حياتي!؟".

في هذه اللحظات تزيل شريهان بيدها اليمنى ما سقط من دموع على وجنتيها؛ لتطلق تنهيدة من صميم قلبها: "آخ، آخ .. البتر صعب والله، أفقدني الكثير من حياتي وقدرتي".

"أمي هل ستذهبين الآن؟"، يخترق هذا السؤال أذنيها لتعدل جلستها أمام ابنتها "حلا"، تفتح كلتا ذراعيها لتحتضنها بقوة، كأنها تخشى عليها من "نسمات الهواء"، "نعم سأذهب للتدريب وأعود لنخرج سوياً".

تبتسم حلا (9 أعوام) لشدة فرحتها بوعد أمها: "بحبك يا ماما"، ثوانٍ قليلة ليضج صوت طفلتها الثانية لمار (13 عاماً): "ماما هي ملابسك الرياضية"، تبتسم الأم لموقف ابنتها وتقبل خدها.

ترتدي شريهان ملابسها الرياضية ومن ضمنها حذاء القدم اليمنى فقط، تُحسس على ما تبقى من قدمها اليسرى تتفقدها وتسأل نفسها: "هل ستنبت هذه القدم كغصن الشجر؟"، امتلأت عينيها بالدموع وقبلت ابنتيها الصغيرتين وانطلقت خارج الخيمة.

الحياة تنقلب رأساً على عقب

شريهان (35 عاماً) كان لديها 4 بنات "حلا ولمار وجنى ولانا"، خطف الاحتلال الإسرائيلي روح كل من "جنى 10 أعوام ولانا 9 أعوام" في قصف استهدف مدرسة أبو هميسة في مخيم البريج التي لجأت إليها بعد تدمير شقتهم في المخيم ذاته.

رسمت شريهان التي أنهت دراستها الجامعية في تخصص سكرتاريا دولية، مستقبل بناتها بسعادة وفرح؛ لكن في السابع من أكتوبر 2023 انقلبت الحياة رأساً على عقب واندلعت حرب الإبادة، وهنا شعرت بخوف شديد.

كأنه زلزال جذبها إلى قاع الأرض

مر شهر رمضان الثاني وما زالت الحرب مستمرة، وفي اليوم الثاني من الشهر الفضيل حاولت شريهان إقناع ابنتها الصغيرة حلا بأن تفطر بعد ساعات على صيامها -صوم العصافير- إلا أن حلا رفضت بشكل قاطع، في هذه الأثناء كان زوج شريهان نائل وبناتها الثلاثة خارج المنزل لاقتناء بعض الحاجيات.

وحين وصلت عقارب الساعة إلى الثانية عشرة ظهراً، فجأة شعرت شريهان بأن زلزالاً قوياً جذبها إلى قاع الأرض، لتسقط عليها الحجارة ويمتلئ المكان بالغبار ورائحة البارود، "كان يومًا صادمًا ومؤلم".

لم تتمكن شريهان فتح عينيها بشكل طبيعي وبدأت تمرر يديها فوق الركام وتصرخ: "حلا؟ وينك يا حلا تعالي عندي؟"، دقائق مرعبة عاشتها الأم ثم مضت تروي الحكاية: "زحفت بكل قوة رغم وجود إصابة في قدمي لم أعرف ما هي في تلك اللحظة، حتى تمكنت من العثور على ابنتي حلا، كان وجهها مخضبًا بالدم وعينها مصابة بجروح خطيرة، حينها لم يكن أمامي الصراخ.

صرخت شريهان بقوة: "أنقذونا يا عالم، هينا تحت الركام"، دقائق قليلة حتى وصل إليها رجال مدنيون تمكنوا بصعوبة من إنقاذها وابنتها، إذ فقدت حينها طعم الحياة، وبدأت عيناها تذبلان وفقدت وعيها مع فقدان كميات كبيرة من الدماء.

مال رجلي مش راضية تتحرك

دوى صوت فانوس الإسعاف بشكل متكرر أمام بوابة مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح؛ ليعلن الأطباء عن حالة طوارئ، توافدت الإصابات أفواجًا متتالية، وكانت شريهان أخطرها.

أمام مشهد الإصابة المروعة في قدم شريهان لم يكن هناك سبيلا للأطباء سوى اتخاذ قرار "إنقاذ حياة".. بُترت القدم وضمدت الجراح ووضعت شريهان في غرفة مكتظة بالإصابات، استيقظت بعد ساعات قليلة من إجراء العملية وهناك كانت الصدمة.

شيء ما يزعج شريهان، تحرك شفتيها وتقول لمن حولها: "مال رجلي مش راضية تتحرك"، لم يجرؤ أحد على إخبارها، لكنها رويدًا رويداً عرفت بما أصابها من بتر لقدمها، بكت دمعاً كاد أن يكون دمًا من شدة الألم والمعاناة.

تختلط هنا مشاعر البؤس والحزن: "كيف أعيش بقدم واحدة؟، بدي حدا يساعدني؟، بدي أعمل أكل لبناتي؟ بدي أدرسهم؟، بدي ألبسهم؟، شو أعمل الآن في حياتي؟"، أسئلة تحوم في مخيلة شريهان كالغيمة السوداء.

أيام مضت وأزيلت تلك الغيمة بكلمات الرضا والإيمان بقدر الله: "الحمد لله على قدر الله عز وجل، سأقف على قدمي وأتحدى الوجع والألم وسأكون خير سند لبناتي".

فاجعة ارتقاء جنى ولانا

أسابيع وشهور ثقيلة مرت على شريهان وأسرتها، لكنها عاشت مع بناتها الـ4 في خيمة بساحة مدرسة أبو هميسة، كانت الحياة مليئة بالصعوبات؛ فالحصول على المياه والطعام أشبه بمعركة حياة أو موت في ظل اكتظاظ المدرسة بالنازحين.

وفي ساعات ليلة (السادس من مايو 2025) تأهب الجميع للخلود إلى النوم، وفجأة تصاعدت الصرخات: "هناك إشارة إخلاء لمسجد يبعد عن المدرسة نحو 100 متر.. الكل يطلع.. الكل يطلع".

سمعت شريهان تلك الصرخات وبصعوبة احتضنت صغيراتها الـ4 وبقيت في خيمتها، وما هي إلا لحظات قليلة فقط وسقط الصاروخ القاتل، اشتعلت النيران أمامها ولم تسمع سوى طنين أذنيها، والغبار أغلق عينيها، أما الخيمة فقد طارت أمتاراً واخترقت الشظايا كل الخيام.

أدارت عينيها يمنة ويسرة ولم تجد سوى ابنتها لانا وقد تمزق جسدها كانت أمعائها تسبح ببركة من الدماء، أما جنى فقد طارت في خيمة جدها التي تبعد نحو 6 أمتار.

فيما أصيبت شريهان بشظايا في جميع أنحاء جسدها أفقدتها القدرة على الحركة ونقلت على الفور وجميع المصابين لمستشفى شهداء الأقصى، وهناك كانت المفاجأة، جنى ولانا ارتقيتا، ولم تتمكن الأم من توديع صغيرتيها.

عزلة واكتئاب

لم تتمكن شريهان من التعافي بسهولة بعدما تلقت صدمتين خلال شهور قليلة، بُترت قدمها ثم فقدت ابنتيها جنى ولانا، أصيبت بحالة نفسية قاسية وآثرت الجلوس منعزلة مكتئبة، داخل خيمتها.

مضت الأيام سريعة وما زالت شريهان على قرارها، ما تسبب بآثار سلبية لصغيراتها "حلا ولمار"، وهنا تدخل زوجها وشقيقاتها اللذين وقفوا إلى جانبها منذ اللحظة الأولى لوقوع الفواجع.

تقول شريهان: "الإصابة أثرت عليّ بشكل كبير، غيرت حياتي الاجتماعية والنفسية، أكثر صعوبة أوجهها هي التنقل والحركة والقيام بالواجبات المنزلية، لكن أخذت القرار خلاص بدي أتحدى الإصابة وأرجع زي أول وأرفع معنوياتي ومعنويات بناتي".

أنا بمشي معك على العكاكيز

جلست شريهان في خيمتها تتمتم: "يا الله ماذا فعلت في نفسي، لا بد أن أستعيد قوتي وأخرج من هذا الجحيم"، لحظات قليلة حتى سمعت صوت ابنتها حلا: "ماما بدنا نطلع على مطعم زي زمان؟، بدنا نروح على متنزه أو ع البحر؟، بنات أعمامنا طلعوا امبارح ونفسنا نطلع؟.. ماما أنا بمشي معك على العكاكيز أو بدفع العجلة".

دارت أسئلة حلا، في مخيلة والدتها وبدأت تستعيد تركيزها وتفكيرها بشكل جيد، "خلص يا ماما بدنا نطلع زي زمان"، وجدت شريهان نفسها أمام تحديات ومسؤوليات ثقيلة كالجبال.

ما هي إلا ساعات قليلة حتى ارتدت حلا ولمار أجمل الملابس وخرجن مع والدتهن والابتسامة تعلو شفاههن، تقول شريهان: "يا الله ما أجمل فرحة البنات، رأيت وجوههن مضيئة مبتسمة كأنها نور من السماء".

اقتراح كرة القدم

هدأت شريهان وبدأت تستعيد توازنها رويداً رويداً، وهنا اتصلت بها إحدى صديقاتها: "شريهان هناك جمعية خاصة بالفتيات المبتورات للعبة كرة القدم، ما رأيك تشاركي معهن؟"، ومباشرة وافقت شريهان على الاقتراح وبدأت تسعى للتسجيل.

تحب شريهان ممارسة الرياضة وخاصة كرة القدم، وتستعيد شريط ذاكرتها الماضية في المدارس وتقول: "يا الله ما أجمل تلك الأيام عندما كنا نلعب كرة القدم ونلقي الكرة على بعضنا البعض، بدي أعيش هذا الشعور من جديد".

وفعلاً وصلت شريهان إلى الجمعية ووجدت الكثير من النساء اللواتي فقدن أطرافاً مختلفة بفعل الحرب الإسرائيلية، منهن من تعرضت لبتر قدم واحدة وأخرى لبتر قدمين أو ذراعين، تقول: "الي بشوف مصيبة غيره بتهون عليه مصيبته".

وما أن لامست شريهان بقدمها الكرة حتى شعرت بسعادة تقشعر لها الأبدان: "والله أحلى شعور لا يمكن وصفه، أنا مبسوطة كثير، ونفسي أواصل لعب كرة القدم".

أكبر حلم تركيب طرف

ولم يخل حديث شريهان عن أمنياتها، تقول: "وجدت الكثير من السيدات المبتورات يلعبن كرة القدم بأطراف صناعية، وأتمنى أن أركب طرف لأعيش حياتي بنفسي بعيداً عن مساعدة الآخرين".

وتتمنى شريهان أن تسافر إلى الخارج وتركب طرفاً صناعياً لتساعد نفسها وتساعد بناتها وتستعيد قوتها: "أكبر حلم يمكن أن أتمناه هو تركيب طرف صناعي".

وتعبر شريهان في ختام حديثها عن فخرها باستشهاد بناتها وبفقدان قدمها، وبممارسة كرة القدم، وكل ما تحلم وتطمح به اليوم هو أن تقضي حلا ولانا أجمل أيامهن، وأن تدرسا وتكبرا ويحققن النجاح والتفوق.