في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، انطلقت عملية "طوفان الأقصى" التي هزت أركان الكيان الصهيوني وأحدثت زلزالاً في منظومة أمنه ونظرية الردع التي ظل يبنيها لعقود، لكن الخطأ الجسيم الذي يقع فيه كثير من المحللين والمراقبين هو النظر إلى هذه العملية بوصفها شرارة العدوان، بينما الحقيقة الأثبت تاريخياً وقانونياً أنها كانت نتيجة حتمية لتراكمات عدوانية تمتد لعقود، بل لأكثر من قرن من الزمان فطوفان الأقصى لم يكن سبباً للحرب التي تلت، بل كان ردة فعل على حرب مستمرة منذ أكثر من مئة عام تستهدف وجود الشعب الفلسطيني وحقه في أرضه.
والجدير بالذكر أن العدوان على الحق الفلسطيني لم يبدأ مع احتلال عام ١٩٤٨، بل تعود جذوره إلى وعد بلفور المشؤوم في الثاني من نوفمبر ١٩١٧، حين وعدت بريطانيا العظمى بإقامة "وطن قومي للشعب اليهودي" في فلسطين، هذا الوعد، الذي وصفته وثائق الأمم المتحدة بأنه "وعد فلسطين للغير"، شكل البذرة الأولى لمشروع استيطاني استعماري قوامه تهجير السكان الأصليين.
وبعد ثلاثة عقود من الهجرات الاستيطانية المنظمة، جاءت نكبة ١٩٤٨ لتجسد ذروة المأساة، حين أُجبر ثلاثة أرباع مليون فلسطيني على الرحيل عن أرضهم ووطنهم، وتم طردهم من مدنهم وقراهم إما بالترهيب وإما بقوة السلاح، وفق مخطط صهيوني منظم عُرف بخطة التطهير، استولى بموجبه الاحتلال على ٧٧٪ من فلسطين التاريخية، وشُرد الباقون بين قطاع غزة والضفة الغربية وبلدان الجوار.
منذ ذلك التاريخ، والاحتلال الإسرائيلي يواصل سياساته الممنهجة في انتهاك حقوق الفلسطينيين غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وحق العودة، فعلى مدى عقود، عانى الفلسطينيون من التشريد القسري، ومصادرة الأراضي والممتلكات، والعقاب الجماعي، والحصار العسكري، والاعتقال التعسفي، ثم جاء العدوان عام ٢٠٢٣ ليضاعف المأساة، حيث تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة ٦٧ ألفاً، مع عدد كبير من المفقودين تجاوز العشرة ألاف، عوضاً عن الجرحى.
وفي خضم هذا التاريخ المليء بالاعتداءات الممنهجة، يبقى السؤال: ما هو موقف القانون الدولي؟
تؤكد الأمم المتحدة، في قراراتها المتعاقبة، حق الشعب الفلسطيني المشروع في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وحقه في تحرير أرضه، وممارسة حقه في تقرير المصير، هذا الحق هو حق طبيعي وقانوني لأي شعب يخضع للاحتلال، يكفله ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الدولية، فمقاومة المحتل ليست إرهاباً، بل هي واجب وطني وإنساني في آن واحد.
إن القضية الفلسطينية ليست مجرد نزاع على أرض، بل هي قضية إنسانية معقدة تتداخل فيها السياسة والقانون والإنسانية والجيوستراتيجية، إنها قضية شعب يُقتلع من جذوره، وتُداس كرامته، وتُنهب أرضه، منذ أكثر من مئة عام.
وفي ذكرى مرور ١٠٠٠ يوم على هذه الحرب المدمرة، ندعو العالم أجمع إلى الوقوف مع الحق الفلسطيني، وإلى الاعتراف بأن السلام العادل لن يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال، وتمكين الشعب الفلسطيني من حقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، على كامل أرضه التاريخية، فكرامة الإنسان ليست رفاهية، بل هي حق أصيل لا يسقط بالتقادم.
