رغم المشاهد القاسية في قطاع غزة، إذ أن أصوات القصف لم تتوقف ومشاهد الركام والخيام لم تختفِ، إلا أن هناك بريق أمل لاستمرار الحياة، حيث يتابع الآلاف من النازحين في القطاع مباريات كأس العالم 2026 لا سميا مباريات المنتخبات العربية.
وما أن يسمع النازحون عن مباراة لأحد المنتخبات العربية لا سيما المنتخب المصري الشقيق حتى يبدأ النازحون بإعلان حالة الطوارئ، آلاف النازحين يجتمعون حول شاشة بسيطة نُصبت بين خيامهم، ونساء وأطفال ورجال يحملون الرايات المصرية، فيما ردد الشبان هتافات وأغاني للمنتخب المصري، في رسالة للعالم "أنه مهما اشتد الألم فلا يستطيع أحد أن يطفئ رغبة الإنسان في الفرح".
قد تبدو مباراة كرة قدم حدثًا عابرًا في أماكن أخرى، لكنها هنا كانت أكثر من مجرد رياضة؛ كانت استراحة قصيرة من ثقل الحرب، ونافذة صغيرة على الحياة الطبيعية، ورسالة بأن الروح ما زالت قادرة على النبض رغم كل شيء.
في زاوية المخيم، وقف شاهر نور، لاعب كرة قدم شاب، يعبّر عن فرحته بفوز المنتخب المصري عبر مواقع التواصل، فيما كان مئات النازحين يصطفون أمام شاشة بيضاء صُنعت من قطعة قماش، بينما ينقل هاتف محمول صغير صوت المباراة للجميع.
لم تكن هناك مدرجات أو إضاءة مستقرة أو ملاعب، لكن كانت هناك قلوب متجمعة على الأمل، ومع كل هجمة مصرية كانت الأصوات ترتفع بالحماس، ومع كل فرصة ضائعة كان الصمت يخيّم للحظات، إلى أن جاء هدف الفوز ليحوّل المكان إلى مساحة فرح جماعي، اختلطت فيها الزغاريد بالهتافات، في مشهد استثنائي جمع بين قسوة السماء ودفء الأرض.
أبو محمد (45 عامًا)، نازح من حي التفاح، قال: "من الصباح ونحن نجهّز للمباراة، علقنا قطعة قماش بيضاء بين الخيام ووصلنا الهاتف بسماعة حتى يسمع الجميع، عندما سجلت مصر الهدف شعرنا وكأن الحياة عادت للحظة إلى المخيم، الأطفال ركضوا وضحكوا، والنساء زغردن، رغم أن الطائرات كانت فوقنا. لكن في تلك اللحظة لم نرَ إلا الفرح".
من جهته قال محمد فوزي: "نحن تربّينا على الأغاني والمسلسلات وكرة القدم المصرية، اليوم ارتديت قميصًا أحمر وكتبت عليه (تحيا مصر)، رغم الحرب، شعرنا أن الفرح ممكن، وأن الانتصار العربي يمكن أن يصل إلينا أيضًا".
حتى الأطفال وجدوا في هذا الحدث مساحة للفرح، إذ قال يوسف (9 سنوات): "أحب محمد صلاح كثيرًا، أتمنى أن أصبح طبيبًا مثله لاعب كرة".
أما أحمد (10 سنوات) فأضاف بحماس: "اليوم كان أجمل يوم، صرخت كثيرًا عندما سجلت مصر، وأتمنى أن أراها دائمًا بطلة."
وفي زاوية أخرى من المخيم يجلس الحاج أبو سامي (72 عاما) يتابع مباراة المنتخب المصري أمام استراليا قال: "عشت النكبة وكل الحروب، لكن رؤية الشباب يرفعون العلم المصري أعادت لي شيئًا من الذكريات، دمعت عيني لأن في قلوبنا مكانة كبيرة لمصر".
ومع انتهاء المباراة، لم تنتهِ الأجواء، استمرت الأغاني والهتافات، وبقي الأطفال والشباب يتبادلون الفرح في مشهد نادر داخل مدينة تعيش ظروفًا إنسانية قاسية.
أنس رجب قال: "نحن لا نهرب من الحرب، لكنها فرصة لنمنح أطفالنا لحظة ينسون فيها الخوف. هذه الدقائق كانت أكبر من مجرد مباراة".
أم أحمد أضافت: "منذ أشهر لم أرَ أطفالي يضحكون هكذا. لأول مرة شعرت أن صوت القصف اختفى أمام صوت الفرح".
الشاب محمود قال: "نحن نريد أن نثبت أن الحياة لا تتوقف، حتى في أصعب الظروف. عندما نفرح لمصر، فنحن نفرح لكل العرب".
الطفلة ليان قالت بابتسامة: "رسمت علم مصر على يدي وخدي. شعرت أن المخيم أصبح مثل العيد".
ورغم انقطاع الكهرباء وصعوبة الظروف، أصر الأهالي على توفير أي وسيلة لمتابعة المباراة، عبر الهواتف أو شاشات بدائية أو أجهزة إسقاط بسيطة، في محاولة لصناعة لحظة حياة وسط كل هذا الألم.
ومع كل هدف وهتاف، كان الأطفال يقلدون المعلق الرياضي، وتتعالى أصواتهم بأسماء اللاعبين، في مشهد امتزجت فيه البراءة بالأمل.
في النهاية، لم يكن الأمر مجرد مباراة كرة قدم، بل لحظة إنسانية خفيفة عبرت فوق جراح ثقيلة.
لحظة قالت فيها غزة إن الفرح ممكن، وإن الحياة رغم كل شيء ما زالت قادرة على أن تُنتزع من بين الركام.
وفي مدينة يجاور فيها الدمار الأمل، ارتفعت الهتافات للمنتخب المصري، لا بوصفها مجرد نتيجة رياضية، بل كرسالة بأن الشعوب، رغم اختلاف الجغرافيا والظروف، ما زالت قادرة على مشاركة الفرح، ولو لساعة واحدة من عمر الحرب.
