د. محمد نعيم وصفي مشتهى
الموضوع: تحرير البحث العلمي من البرج العاجي.. صرخة من قلب الميدان
الرؤساء الأفاضل، العمداء المحترمون،
تحية طيبة وبعد،
نتوجه إليكم اليوم بهذه الرسالة المفتوحة، لا من باب الترف الفكري أو السجال الأكاديمي، بل من وسط الركام والأزمات المركبة التي يعيشها شعبنا الصامد في قطاع غزة. نكتب إليكم بلسان الشارع، ونبض المعاناة اليومية التي طالت كل تفاصيل الحياة الحيوية للمواطن الفلسطيني.
إن الفلسفة الوجودية لأي مؤسسة أكاديمية محترمة تقوم على فرضية أساسية: أن البحث العلمي وُجد ليقود التنمية ويجترح الحلول الإبداعية لمعضلات المجتمع. وإذا كانت هذه الفلسفة تُطبق في دول العالم المستقرة كخيار نهضوي، فإنها في غزة المحاصرة والمستنزفة تُعد ضرورة وجودية وحتمية لبقاء الإنسان.
وهنا، اسمحوا لنا أن نضعكم أمام المساءلة الفكرية والأخلاقية التي يطرحها لسان حال الشارع الغزي:
أين هي مئات الأبحاث، والرسائل، والأطروحات العلمية التي تكدست بها رفوف مكتباتكم وصُرفت عليها مئات آلاف الدولارات؟ أين هي تلك الدراسات التي خرجت إلى النور ونجحت في تفكيك أو معالجة مشكلة حقيقية واحدة من أزماتنا الحياتية الطاحنة؟
مفارقة مؤلمة: عقم "الأكاديميا" أمام عبقرية "الحاجة"
بينما تقبع مراكز أبحاثكم وجامعاتكم الموقرة في حالة من الجمود التطبيقي، والاكتفاء بصياغة نظريات تخدم الترقية الوظيفية وحصد الألقاب خلف الأبواب المغلقة، يبرز في الميدان مشهد موازٍ يدعو للفخر والخجل في آن واحد.
لقد أثبت "مختبر الشارع" في غزة تفوقه البديهي؛ حيث برز من بين الركام مواطنون بسطاء، لم يدخلوا مدرجاتكم، ولم يحملوا شهادات الماجستير أو الدكتوراه، لكنهم وبدافع حتمية البقاء امتلكوا "جرأة الابتكار".
هؤلاء هم من هندسوا بدائل عملية للسولار والبنزين وغاز الطهي من مواد أساسية وبدائية لإنقاذ حياة عوائلهم.
هؤلاء هم من ابتكروا بدائل متينة للأخشاب من الحديد المدفون بين الركام لتأمين خيام النازحين وحمايتهم من وطأة الظروف الجوية القاسية...والأمثلة عديدة
إن هذه العبقرية الشعبية العفوية هي إدانة صريحة لكل حبر سُكب على ورق الأبحاث الأكاديمية المعزولة عن الواقع. إنها تثبت أن مراكزكم البحثية باتت مستهلكة في النمطية التقليدية، بينما يمارس الإنسان البسيط "البحث العلمي التطبيقي والاستجابة المرنة للأزمات" في أبهى صورها.
المطلوب اليوم: ثورة في المنهجية وحوكمة البحث العلمي
إننا لا ننكر قيمة العلم، بل نطالبكم وبشدة بـإعلان حالة الطوارئ الأكاديمية وإحداث ثورة في فلسفة البحث العلمي داخل جامعاتكم، عبر الخطوات الإجرائية التالية:
ربط التمويل والترقية بالأثر المجتمعي: يجب ألا يُجاز أي بحث علمي أو يُمنح صاحبه درجة أكاديمية ما لم يقدم حلاً تطبيقياً مباشراً لمشكلة قائمة في قطاع غزة (سواء في الطاقة، المياه، الإغاثة، إعادة التدوير، أو الصحة العامة).
تأسيس "حاضنات الابتكار الشعبي": ننتظر منكم فتح أبواب مختبراتكم وجامعاتكم لهؤلاء المبتكرين الميدانيين؛ لتبني أفكارهم البدائية، وتقنينها علمياً، وتطويرها هندسياً لتحويلها إلى مشاريع مستدامة وقابلة للتطبيق الواسع.
الانتقال من "مكتبات الرفوف" إلى "منصات الحلول": تحويل عمادات البحث العلمي إلى غرف عمليات تنموية حية، تشتبك مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص لإسقاط المعرفة النظرية على الواقع التنفيذي.
السادة الرؤساء والعمداء،
إن قيمة أي جامعة لا تُقاس بمساحة حرمها، ولا بعدد صفحات الأبحاث المطبوعة التي يطويها النسيان، بل تُقاس بحجم الأثر الذي تتركه في حياة الناس، وبقدرتها على إيقاد شمعة في عتمة هذه الأزمات الوجودية.
لقد آن الأوان للخروج من البرج العاجي. غزة لا تحتاج إلى مزيد من الحبر والنظريات؛ غزة بحاجة إلى علم يُربّت على كتف المحتاج، ويدعم خيمة النازح، ويصنع من اللاشيء أملاً.
نحن بانتظار استجابة ميدانية توازي حجم المسؤولية التاريخية والأمانة العلمية الملقاة على عاتقكم.
تقبلوا فائق الاحترام والتقدير،
