يطرح الاتفاق الأخير بين الولايات المتحدة وإيران سؤالاً جوهرياً: هل نحن أمام تسوية استراتيجية، أم مجرد هدنة تكتيكية في حرب مفتوحة؟
المعطيات على الأرض تقول: "إننا أمام المرحلة الثانية من الصراع، لا نهايته".
أولاً: فشل مشروع "قطع الرؤوس" وتماسك الداخل الإيراني
راهنت واشنطن خلال السنوات الماضية على سياسة "الضغط الأقصى" و"قطع الرؤوس" لإسقاط النظام من الداخل.
لكن النتيجة جاءت عكسية، أدت عمليات الاغتيال والعقوبات إلى تماسك الجبهة الداخلية بدل تفكيكها، وإلى انتقال مركز القرار من المؤسسة السياسية إلى الحرس الثوري الذي أصبح اللاعب الأساسي في إدارة الملف الأمني والعسكري والخارجي.
هذا التحول أفقد أمريكا أهم أدواتها: الرهان على الانقسام الداخلي، وأثبت أن النظام الإيراني يتحرك وفق حسابات صلبة تضع الأمن القومي فوق أي اعتبارات أخرى.
ثانياً: خارج اللعبة الأمريكية ومغامرة العودة
مع سيطرة الحرس الثوري على مفاصل القرار، خرجت إيران عملياً من الإطار الذي كانت واشنطن تحاول فرضه: "نظام قابل للاحتواء عبر الضغط والدبلوماسية".
الإدارة السياسية في إيران لا تستطيع بأي شكل من الأشكال تمرير أي مخططات أمريكية، وصار القرار بيد مؤسسة أمنية-عسكرية ترى الصراع مع أمريكا وجودياً لا تفاوضياً.
من هنا، لا يمكن قراءة أي اتفاق حالي إلا على أنه مؤقت، واشنطن لم تستسلم لمعادلة الحرس الثوري، لكن أي عودة أمريكية للمواجهة المباشرة هي مغامرة غير مضمونة العواقب.
الولايات المتحدة تدرك أن خسارتها العسكرية والسياسية في الجولة الأخيرة مع إيران ومعها الكيان كبيرة، وأن الدخول في حرب جديدة يعني فتح جبهات إقليمية لا تستطيع السيطرة عليها، والإمبراطوريات عندما تتراجع لا تنسحب، بل تكسر أو تعيد ترتيب أوراقها بانتظار التوقيت المناسب.
وحسابات التوقيت تلعب دوراً، من الصعب خوض حرب واسعة في الصيف، لذلك من المرجح استمرار وقف إطلاق النار حتى نهايته، مع احتمال العودة للتصعيد في فصلي الخريف والشتاء.
ثالثاً: الجبهة اللبنانية.. صك الانتداب الفاشل
في موازاة الملف الإيراني، يستمر الكيان في حربه في جنوب لبنان رغم وجود اتفاق وقف إطلاق نار.
الاتفاق ببنوده الحالية، والذي يوصف "صك انتداب جديد" لنزع سلاح المقاومة، يبدو فاشلاً من منظور تل أبيب نفسها.
لأن نزع السلاح بالقوة يعني الدخول في معادلة حرب أهلية، وهو ما لا تريده حتى واشنطن في هذه المرحلة.
وما يروج له ترامب وبعض الأوساط الأمريكية حول "إدخال سوريا إلى لبنان" ضمن تسوية، هو في جوهره اعتراف ضمني بأن مشروع إنهاء المقاومة فشل، وأن أي ترتيب جديد يجب أن يمر عبر دمشق، وهذا بحد ذاته يمثل تراجعاً استراتيجياً لدولة الاحتلال.
رابعاً: القضية الفلسطينية والتمسك بخيار مقاومة المشروع الإسرائيلي-الأمريكي
في قلب هذا الصراع تبقى فلسطين هي البوصلة.
الاتفاقات المؤقتة والهدن التكتيكية لا تغير جوهر المشروع الأمريكي-الإسرائيلي في المنطقة: تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير والتجويع والتطبيع.
لكن ما كشفته حرب غزة وطوفان الأقصى أن هذا المشروع دخل مرحلة الانهيار.
1. فشل سلاح التهجير: 2.3 مليون فلسطيني في غزة اختاروا الصمود تحت القصف، ودفنوا بند التهجير الذي راهن عليه الكيان.
2. سقوط وهم الردع: لم يعد "الجيش الذي لا يقهر" قادراً على حسم معركة، ولم يعد "السياج الذكي" قادراً على حماية مستوطنة.
3. وحدة الساحات: أصبحت المقاومة معادلة إقليمية واحدة، أي ضربة على إيران قد تعني فتح كل الجبهات.
لذلك فإن التمسك بخيار المقاومة ليس خياراً عاطفياً، هو الخيار الوحيد الذي أثبت قدرته على كسر قواعد اللعبة التي فرضتها أمريكا والكيان سابقا.
المقاومة هي التي وضعت الكيان أمام محكمة العدل بتهمة الإبادة، وأمام الجنائية بمذكرات اعتقال، وأجبرت العالم على الحديث عن "يوم ما بعد الاحتلال" بدل "يوم ما بعد حماس".
الخلاصة
الاتفاق الأمريكي-الإيراني الحالي ليس سلاماً، هو إعادة تموضع في حرب مفتوحة.
أمريكا فشلت في إسقاط النظام في طهران، والكيان فشل في كسر المقاومة وفرضت معادلات جديدة.
قواعد اللعبة تغيرت: الحرس الثوري هو اللاعب المركزي في طهران، ووحدة الساحات هي المعادلة المركزية في الإقليم، والقضية الفلسطينية عادت إلى مركز الطاولة بعد أن حاولوا دفنها.
الإمبراطوريات عندما تبدأ بالتراجع لا تعلن هزيمتها. تعلن "اتفاقات مؤقتة".
والأيام المقبلة ستحدد هل هذا الاتفاق مقدمة لتسوية، أم مقدمة لجولة أشد وأوسع.
