لم يكن عبد الكريم أحمد المجبر يظن أن الطريق إلى فرحة حفيده ستمر بين الأبنية المهدمة وآثار الحرب التي لم تغادر شوارع غزة.
الرجل الذي فقد أبناءً، وهُدم منزله، وعاش مرارة النزوح والتشريد، حمل جسده المنهك من دير البلح إلى مدينة غزة، متحديًا المرض والإعاقة، ليشارك حفيده محمد المجبر لحظة نجاحه في الثانوية العامة.
على كرسيه المتحرك، وبجسد أنهكته سنوات المرض والعلاج، وقف عبد الكريم على قدميه للحظات، وكأن الفرح منحه قوة غابت طويلًا، يقول لمراسل "شمس نيوز" بصوت تختلط فيه الدموع بالابتسامة: "أتعبت كثيرًا في حياتي، لكن اليوم أشعر أن الدنيا كلها بين يدي وأنا أرى حفيدي ينجح، أراه كطائر العنقاء، ينهض من بين الدمار ليحلق نحو المستقبل".
لم يكن وصول الحاج عبد الكريم إلى غزة رحلة عادية، فبينما كان يعبر الطرق التي مزقتها الحرب، كانت مشاهد الدمار تستحضر وجع الفقد، حتى شعر، كما يقول، أن قلبه يكاد ينزف، ومع ذلك، يؤكد أن فرحة حفيده غلبت كل هذا الألم، وأنها كانت تستحق عناء الطريق.
ويضيف: "دمروا بيوتنا، وقتلوا أبناءنا، وشردونا، لكنهم لن يمنعونا من الفرح، نحن شعب يريد أن يعيش، وسنعيش رغم كل شيء، وسنصنع الفرح من بين الدمار والألم والجراح". ويرى في نجاح حفيده رسالة صمود وتحدٍ، مؤكدًا أن الفلسطينيين، رغم ما يواجهونه، متمسكون بحقهم في الحياة وصناعة الأمل.
ويستعيد عبد الكريم سنوات المرض الطويلة، إذ أمضى فترات في المستشفيات ويعاني إعاقة حركية ومشكلات صحية في الرئتين، لكنه يقول إن وقوفه على قدميه خلال الاحتفال أنساه كل ما مر به من ألم.
ويضيف: "منذ زمن لم نجتمع على فرحة كهذه، كنا نجتمع فقط في عربات النزوح وبين المعاناة، أما اليوم فالفرحة اكتملت، والحمد لله".
معدل 94.4% في الفرع الأدبي
أما حفيده محمد المجبر، الذي حقق معدل 94.4% في الفرع الأدبي، فيصف لحظة إعلان النتيجة بأنها لا تُقدَّر بثمن.
ويقول إن فرحة أسرته فاقت كل المناسبات، حتى إنها كانت بالنسبة لهم أجمل من فرحة الزواج، لأنها بددت القلق والتوتر اللذين رافقا سنوات الحرب.
ويؤكد محمد أن الطريق إلى النجاح لم يكن سهلًا، فقد عاش لحظات من الإحباط والضعف تحت وطأة الحرب والظروف القاسية، لكنه أصر على مواصلة الدراسة والاجتهاد ليحقق حلمه ويفرح والده وجده وعائلته.
ويضيف أنه كان يتمنى أن تنتهي الحرب ليتمكن من المنافسة في ظروف أفضل، لكنه لم يسمح لليأس بأن ينتصر عليه.
ويطمح محمد إلى الالتحاق بكلية التجارة، مؤمنًا بأن النجاح في الثانوية العامة ليس نهاية الطريق، بل بداية لحلم أكبر يسعى إلى تحقيقه، بينما يبقى مشهد جده، الذي وقف على قدميه رغم المرض والوجع ليشاركه فرحة النجاح، أحد أكثر مشاهد هذا اليوم تعبيرًا عن قدرة الفلسطينيين على انتزاع الأمل من قلب المأساة.
