بعد اندلاع الأحداث التي وقعت أمس في قرية تل جنوب غرب نابلس أمس، طفت على السطح الكثير من المخاوف والتساؤلات عن مآلات الحادث ونتائجه التي لن تكون بسيطة، وفقا لتهديدات قادة المستوطنين والجيش الإسرائيلي وحتى المستوى السياسي الإسرائيلي بشن عملية عسكرية واسعة النطاق بالضفة الغربية، وهدم منازل وسحب تصاريح العمال وإقامة بؤر استيطانية، بل وصلت الى حد الدعوة الى تهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية وإعادة سيناريو ما حدث في قطاع غزة.
وبدلا من أن يحقق الجيش الإسرائيلي وقادة الحكومة المتطرفة في حادث تل، ومعرفة أسبابه ومعالجتها ومنع تكرارها، عبر وقف اقتحامات المستوطنين والاحتكاك بالفلسطينيين التضييق عليهم، خصوصا وأن القرية تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية بشكل كامل، أي انه لا يحق للمستوطنين دخولها، الا أن التصريحات الإسرائيلية وما تلاها من عمليات اعتقال واقتحامات واسعة طالت مدن شمال الضفة، أثبتت أن الحكومة اعتبرت ما حدث "ذريعة" فقط لتنفيذ اجنداتها المتطرفة، بإلغاء كل ما هو فلسطيني، ليدور الحديث الآن عن من الذي سيدفع الثمن؟
ووفقا لمراقبين ومتابعين للشأن الفلسطيني، فإن الجواب أصبح واضحا وهو الاعتداء على كل ما هو فلسطيني دون النظر الى أي اعتبارات أخرى، مبينين أن المعادلة أصبحت متكررة في الضفة الغربية تبدأ باقتحامات المستوطنين للمدن والقرى الفلسطينية، فيتصدى لهم المواطنين، فيأتي الجيش الإسرائيلي ويقوم بإغلاق الطرق واعتقال المواطنين والتضييق على الناس معيشتهم.
وتصاعدت اقتحامات واعتداءات المستوطنين على قرى الضفة الغربية، فبالتزامن مع اعتداءاتهم على قرية تل كانت مجموعات أخرى تعتدي على المواطنين في فرعتا شرق قلقيلية، وأحرقوا منجرة تجارية ومنزلين وأراضي زراعية، لتصبح الخسارة ممتدة الى مصدر الرزق أيضا وليس في الإصابات والأرواح فقط، فالمنجرة التي أحرقت تعني توقف عمل العمال، وخسارة رأس المال، وتعطل مصالح الناس، فيما حرق الأرض والمزروعات يعني توقف الإنتاج لأشهر ومعاناة العمال والمزارعين أيضا.
ويرى مواطنون أن الاعتداءات الاسرائيلية سواء من المستوطنين او من الجيش، لا تتوقف تداعياتها عند الاشتباك فقط، إنما تمتد لفرض حصار مطبق على القرى وإغلاق الحواجز المنتشرة، مما يؤثر سلبا على كافة أنحاء الحياة، فالطلاب لا يستطيعون الوصول إلى جامعاتهم، والمرضى يتأخرون عن علاجهم، والعمال والموظفين والتجار، كلهم يتأثرون بهذا الاغلاق وهذه الاعتداءات، مما يحول حياة المواطنين الى جحيم بكل ما تعنيه الكلمة.
ويحذر مختصون بالشأن الإسرائيلي، من أن التهديدات بشن عملية عسكرية جديدة وواسعة تشبه عملية "السور الواقي" التي نفذت بداية الانتفاضة الثانية عام 2002، يعيد الى الاذهان تكرار سيناريو العقاب الجماعي، بل ويعيد السيناريو الكارثي الذي وقع في قطاع غزة على مدار ثلاث سنوات ماضية، تحت ذريعة إعادة الأمن والهدوء الى الضفة الغربية.
وعلى الرغم من أنه قد تختلف الأدوات في تنفيذ "سيناريو غزة"، في الضفة الغربية، إلا أن النتيجة حتمية وهي أن المواطن هو أول من يدفع الثمن لأي اعتداءات إسرائيلية، فتدمير البيوت والبنية التحتية، وتوقف الأعمال والتجارة والنزوح والجوع والقتل والخوف كلها تأتي مرة واحدة وتزيد من كاهل المواطن الذي يعيش ضغط يومي غير مسبوق في الفترة الأخيرة.
ويحذر اقتصاديون فلسطينيون من إمكانية تنفيذ هذه السيناريوهات المخيفة وتأثيراتها المرعبة على التجارة والزراعة والمصانع في الضفة الغربية، منبهين الى أن هذه السيناريوهات ستعيد الاقتصاد الفلسطيني الى ما دون الصفر، في ظل الظروف التي يعاني منها الاقتصاد في الوقت الحالي.
ويؤكد الاقتصاديون أن التجار في شمال الضفة الغربية منذ الامس فقط، لم تصل بضائعهم، فيما لا يستطيع المزارعين الوصول إلى أراضيهم، ويمنع العمال من عبور الحواجز للذهاب الى مصانعهم، مما يعني كارثة اقتصادية في حال استمر الاغلاق او تم تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق في ظل هشاشة الاقتصاد الفلسطيني من الاساس.
إن ما حدث في قرية تل جنوب غرب نابلس، ناقوس خطر لجميع مدن وقرى الضفة الغربية، فالمعادلة أصبحت واضحة، مستوطنون يقتحمون ويعتدون، وجيش يعاقب المواطنين العزّل ويترك الجاني، فالنتيجة بكل تأكيد تعني أن كل قرية أو مدينة فلسطينية متوقع أن تدفع الثمن في أي وقت يريده المستوطن..فهل يتكرر سيناريو غزة بالضفة؟
