يمثل التعليم الجامعي أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ يُعد الركيزة الأساسية لبناء رأس المال البشري القادر على قيادة الابتكار وتحقيق النمو المستدام. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد التعليم الجامعي ترفًا أو امتيازًا لفئة محددة، بل أصبح ضرورة وطنية وحقًا أساسيًا ينبغي أن يتمتع به جميع أفراد المجتمع دون تمييز.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية تبني سياسات تغيير البروتوكول القائم في التعليم الجامعي الحالي بوصفها استثمارًا طويل الأجل في الإنسان.
تنص المواثيق الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، على أن التعليم حق لكل إنسان.
ورغم أن التعليم الأساسي يحظى بأولوية واضحة، فإن التعليم العالي يجب أن يكون متاحًا للجميع على أساس الكفاءة لقد أثبتت الحرب القذرة على شعبنا فشلنا الذريع في التعليم والتعليم الجامعي خلال الأربعين سنة الماضية، لقد خرجنا من جامعاتنا ما يقارب 400 ألف خريج ومثلهم من حفظة القرآن الكريم ومع بداية الاخلاءات وتهجير أبناء شعبنا من أماكن تواجده انكشفت عورة التعليم لدينا واكتشفنا أن منظومة الأخلاق التي كنا ندعي تواجدها قد اختفت تماماً وهذا يثبت عوار نظام التعليم ،واكتشفنا أن تأثير هؤلاء في تقويم المجتمع غير موجود.
وهل لهذا الفشل في المنتج أسباب يقيناً هنالك أسباب سأذكر منها سببين وهما: السبب الأول قامت الجامعات في تسعينيات القرن الماضي بالغاء ساعات العمل التطوعي حيث كان ملزم الطالب الجامعي لاتمام عملية تخرجه باتمام 70 ساعة عمل تطوعي خدمة للمجتمع وقد كان الخريج مرتبط ارتباط وثيق بخدمة مجتمعه.
السبب الثاني وهو مهم جداً ألا وهو أن الطالب من وجهة نظر الجامعات زبون"مستهلك" ويجب العمل على اراحة هذا الزبون مع العلم أن الطالب من وجهة نظر المحاضر المحترف هو منتج لخدمة المجتمع.
وهذا السبب تم اعلاء قيمة الطالب على قيمة المحاضر الجامعي. وقد ذكر العالم بيتر فلمنج عام2021م الأكاديميا المظلمة: كيف تموت الجامعات.
وقد أورد هذا العالم الأسباب التالية لموت الجامعات:
1. الجامعة الزومبي " يرى فليمنج أن النيوليبرالية والتسويق التجاري قد قضيا على الجوهر التقليدي للتعليم العالي"
2. الإدارة السلطوية: حلت التسلسلات الهرمية البيروقراطية والمتابعة الدقيقة للمؤشرات محل الحرية الأكاديمية والقيادة الرشيدة.
3. الطلاب كمستهلكين: تحول التعليم إلى اقتصاد سوقي، يُعامل فيه الطلاب كزبائن والشهادات كسلع تجارية.
4. الأثر النفسي: أدى ضغط التنافس الفردي إلى خلق بيئة عمل سامة تعاني من القلق والإرهاق وأزمات الصحة النفسية لدى كل من الموظفين والطلاب.
من هنا أناشد كلاً من السيد الأستاذ الدكتور محمد مصطفي رئيس الوزراء الفلسطيني والأستاذ الدكتور أمجد برهم وزير التعليم العالي الفلسطيني والأستاذ الدكتور على شعث رئيس اللجنة الادارية لادارة شئون قطاع غزة والأستاذ الدكتور جبر الداعور للتدخل العاجل لمنع موت جامعاتنا فلو نظرنا إلى الأسباب التي ذكرها العالم بيتر فلمنج التي تؤدي إلى وفاة الجامعات فكل هذه الأسباب متوفرة في جامعاتنا.
الحل من وجهة نظري أن يكون التعليم الجامعي مجاني ظاهرياً وأن تعمل الحكومة على دفع بدل الرسوم للجامعات قد لا تكون هذه الخطوة من مرة واحدة بل يتم التدرج فيها كأن يكون العامين الأولين 40% يدفعها الطالب و 60% تدفعها الحكومة، وقد يسأل سائل كيف للحكومة أن تسترد ما دفعته الجواب على هذا ببساطة هو أن يخدم الخريج في مؤسسات الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني لمدة عامين بمصروف جيب فقط وبهذا توفر الحكومة المال وتخفف فاتورة الرواتب على المدى البعيد.
هل الخطوة ستجبر الجامعات على الاهتمام بالبحث العلمي وتستطيع الادارات الرشيدة في توفير مصدر دخل ممتاز من البحث بدل الاعتماد على رسوم الطلبة. فتحويل النظام الجامعي التقليدي القائم على الرسوم إلى نظام مجاني بالكامل خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل المجتمعات واقتصاداتها، يمثل التعليم الجامعي أحد أهم محركات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إذ يُعد الركيزة الأساسية لبناء رأس المال البشري القادر على قيادة الابتكار وتحقيق النمو المستدام. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم. أمل أن تستجيب الحكومة الفلسطينية لبلعمل على جعل التعليم الجامعي مجاني.
