في خطوة تمثل تصعيدًا جديدًا في استهداف المنظومة الصحية بقطاع غزة، قصفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي، فجر أمس السبت، مخازن الأدوية والمستهلكات الطبية التابعة لمستشفى شهداء الأقصى في مدينة دير البلح، موقعة دمارًا واسعًا طال المستودعات ومبنى العيادات الخارجية وخيام النازحين المحيطة بالمستشفى.
ويأتي التصعيد العسكري الإسرائيلي ضد المستشفيات لا سيما المستهلكات الطبية والأدوية في وقت يعيش فيه القطاع أزمة دوائية غير مسبوقة، وسط استمرار إغلاق المعابر ومنع دخول الإمدادات الطبية.
ولا يُعد مستشفى شهداء الأقصى مجرد مرفق صحي، بل يمثل المستشفى الحكومي الرئيسي والوحيد الذي يقدم الخدمات الطبية الشاملة لسكان المحافظة الوسطى، والتي يقطنها حاليًا أكثر من نصف مليون مواطن ونازح.
ويستقبل المستشفى يوميًا مئات المرضى والجرحى، ويضم أقسامًا حيوية تشمل الطوارئ والعناية المركزة وغسيل الكلى والعمليات الجراحية ورعاية مرضى الأورام، ما يجعل أي استهداف لقدراته التشغيلية ينعكس مباشرة على حياة آلاف المدنيين.
جريمة مركبة
واستنكرت وزارة الصحة الفلسطينية استهداف الاحتلال المباشر لمخازن الأدوية والمستهلكات الطبية، معتبرة أن القصف يشكل "جريمة مركبة" تأتي في ظل الانهيار المتسارع للقطاع الصحي والحصار المستمر الذي يحول دون إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.
وقالت الوزارة إن الغارة دمرت مخزنين بالكامل من أصل أربعة، فيما تعرض المخزنان الآخران لأضرار جسيمة بفعل القوة التدميرية للصواريخ المستخدمة، ما أدى إلى فقدان وتلف كميات كبيرة من الأدوية والمستهلكات الطبية المخصصة لعلاج المرضى والجرحى.
وأضافت أن القصف ألحق أضرارًا واسعة بمبنى العيادات الخارجية المجاور للمخازن، وأثار حالة من الذعر بين المرضى ومرافقيهم والطواقم الطبية داخل المستشفى.
وأكدت الوزارة أن الاحتلال "لم يكتفِ بالحصار الخانق ومنع إدخال الأدوية وحرمان آلاف الجرحى والمرضى من السفر للعلاج، بل يواصل استهداف ما تبقى من إمكانيات المنظومة الصحية وتدمير مقوماتها المحدودة"، مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات الأممية والحقوقية بالتدخل العاجل لوقف الاعتداءات وتوفير الحماية للمؤسسات الصحية والطواقم الطبية.
استهداف المخزون الطبي
من جانبه، قال المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، الدكتور خليل الدقران، إن الغارة الإسرائيلية استهدفت مستودعًا للمستلزمات الطبية كان يحتوي على أدوية ومحاليل خاصة بمرضى الفشل الكلوي ووحدات العناية المركزة، وهي من أكثر الأقسام اعتمادًا على الإمدادات الطبية المستمرة.
وأوضح أن جميع محتويات المستودع دُمرت بالكامل، كما لحقت أضرار بجدار المستشفى وعدد من المباني المجاورة، محذرًا من أن تدمير الإمدادات الطبية يهدد حياة المرضى بصورة مباشرة، في ظل النقص الحاد الذي تعانيه المستشفيات نتيجة استمرار الحصار.
وأشار الدقران إلى أن ما جرى يمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الاستهداف، إذ لم يعد الاحتلال يكتفي بمنع دخول الإمدادات الطبية عبر المعابر، بل بات يستهدف المخزون الموجود داخل المستشفيات، بما يؤدي إلى شل قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات العلاجية.
وأضاف أن المشهد الحالي يفرض معادلة "الخنق المزدوج"، فمن جهة يستمر إغلاق المعابر ومنع إدخال الأدوية والمولدات ومحطات الأكسجين، ومن جهة أخرى يجري تدمير ما تبقى من مخزون طبي داخل المستشفيات، وهو ما يسرّع خروجها عن الخدمة.
استهداف مستلزمات الكلى
وفي تصريحات صحفية أكد المدير العام لوزارة الصحة، الدكتور منير البرش، أن استهداف المرفق المخصص لمستلزمات علاج مرضى الكلى يمثل تحولًا كاملًا في طبيعة الحرب على القطاع الصحي.
وقال إن الاحتلال تجاوز استهداف المباني والطواقم الطبية ليصل إلى استهداف أصل فرصة المريض في البقاء على قيد الحياة، لافتًا إلى أن القصف جاء في وقت تعاني فيه المستشفيات من نفاد أكثر من نصف الأدوية الأساسية والمستهلكات الطبية، إضافة إلى تعطل ربع التجهيزات المخبرية.
وأضاف أن "خروج أي كمية علاجية من الخدمة في هذه المرحلة يمثل حكمًا مباشرًا على حياة مئات المرضى"، مشيرًا إلى أن أولى النتائج المباشرة للقصف ستكون تعطل بروتوكولات غسيل الكلى والعلاج الكيماوي لمرضى السرطان، فضلًا عن زيادة المخاطر داخل غرف العمليات وأقسام العناية المركزة التي تفتقر أصلًا إلى أبسط المستلزمات المنقذة للحياة.
وشدد البرش على أن حماية الإمدادات الطبية ليست مسألة إنسانية فحسب، بل التزام يفرضه القانون الدولي الإنساني الذي يحظر استهداف المواد الطبية والمنشآت الصحية.
تعميق أزمة الدواء
من جانبه، وصف مدير مستشفى شهداء الأقصى، الدكتور رائد حسين، استهداف مخازن الأدوية بأنه جريمة جديدة تأتي في سياق الاستهداف الممنهج للقطاع الصحي.
وأكد أن المستشفى يعاني أصلًا من نقص حاد في الأدوية والتجهيزات والمستهلكات الطبية، وأن تدمير المخازن يفاقم الأزمة ويعرض حياة مئات المرضى والجرحى لخطر مباشر، في ظل استمرار العدوان ومنع إدخال الإمدادات الطبية.
وأضاف أن الاحتلال يواصل استهداف المرافق الصحية في مختلف أنحاء قطاع غزة بهدف شل قدرتها على تقديم الخدمات العلاجية وحرمان السكان من حقهم في العلاج.
أزمة دوائية غير مسبوقة
ويأتي استهداف مخازن الأدوية في وقت تشير فيه أحدث بيانات وزارة الصحة والمنظمات الدولية إلى أن نحو 50% من الأدوية الأساسية نفدت بالكامل من مستشفيات القطاع، فيما تجاوزت نسبة العجز في المستهلكات الطبية 70%، ووصل نقص الفحوص المخبرية إلى أكثر من 87%.
كما خرج 26 مستشفى من أصل 38 عن الخدمة نتيجة الاستهداف ونقص الوقود والمستلزمات الطبية، في حين قدرت منظمة الصحة العالمية حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الصحي بنحو 1.4 مليار دولار، مؤكدة تعرض أكثر من 1800 مرفق صحي للتدمير الكلي أو الجزئي.
وتظهر آثار هذه الأزمة بصورة أكبر لدى الفئات الأكثر هشاشة؛ إذ توقفت معظم خدمات علاج الأورام، مع تجاوز العجز في الأدوية الكيماوية 90%، ما يحرم أكثر من أربعة آلاف مريض سرطان من تلقي علاجهم. كما يواجه مئات مرضى الفشل الكلوي خطر فقدان جلسات الغسيل المنتظمة بسبب نقص المحاليل والفلاتر، بينما أصبحت غرف العمليات والعناية المركزة مهددة بالتوقف نتيجة نفاد مواد التخدير والمطهرات والخيوط الجراحية وأكياس الدم.
وفي ظل هذا الواقع، يحذر أطباء من أن استهداف مخازن الأدوية لا يعني تدمير مبانٍ أو مستودعات فحسب، بل القضاء على آخر احتياطي علاجي متاح داخل المحافظة الوسطى، وتحويل المستشفى الوحيد القادر على تقديم الخدمة لمئات آلاف السكان إلى مرفق عاجز عن تلبية الحد الأدنى من الاحتياجات الطبية، الأمر الذي ينذر بكارثة إنسانية وصحية متفاقمة مع استمرار الحرب والحصار.
