لم يتجاوز محمد بكر الثانية والعشرين من عمره، لكنه يقول إنه يشعر بأنه عاش خمسين عامًا، سنوات الحرب المتواصلة اختصرت عليه كثيرًا من تفاصيل الشباب، ودفعته مبكرًا إلى حمل مسؤولية أسرة فقدت معيلها، بعدما استشهد والده محمود في غارة إسرائيلية على مخيم الشاطئ، حيث ولد وعاش.
يُعرف محمد بين الصيادين بلقب «حبيب البحر»، وهو لقب يبدو اليوم أكثر قسوة من كونه وصفًا لمهنة ورثها عن والده. فالبحر الذي كان مصدر رزق العائلة، ومجال عملها الوحيد، تحول إلى مساحة محفوفة بالموت، فيما بات الوصول إليه مخاطرة لا يعرف الصيادون كيف تنتهي.
إرث الأب
كان محمد الابن البكر لوالده، وبدأ يتعلم منه مهنة الصيد وإلقاء الشباك، في محاولة لشق طريقه في الحياة؛ لكن الحرب قلبت هذا المسار؛ فغاب الأب، ودُمر المنزل، وتقلصت المساحة المتاحة للصيد، وبات الابن مطالبًا بحمل مسؤولية الأسرة في ظروف لا تسمح حتى بتأمين الاحتياجات الأساسية.
يقول محمد لـ«شمس نيوز»: «لقد كبرت قبل اللازم، عمري 22 سنة، لكني أرى نفسي في الخمسين»، مضيفاً أن البحر، رغم اتساعه، لم يعد قادرًا على منحهم ما يكفي من الأسماك، بينما تبقى والدته وإخوته أمام السؤال الأصعب: «ماذا سنأكل اليوم؟»
ذلك السؤال، كما يقول، يثقله إلى حد يدفعه أحيانًا إلى البكاء، خصوصًا عندما يفكر في زملائه الصيادين الذين قتلوا أو أصيبوا أو اعتُقلوا.
ويقول: «كيف سأشرح لهم أن زميلنا استشهد اليوم، والثاني أصيب، والثالث اعتقل؟ هذه ليست حالات فردية، فهناك مئات تعرضوا لما يشبه ذلك، وربما تكون هذه محاولتي الأخيرة للنجاة.. لا أعلم».
«لا نريد سوى أن نعيش»
يصمت محمد طويلًا قبل أن يتحدث عن أسرته، ثم يستحضر شقيقته شهد، التي يقول إنها تعاني من الجوع ولا تستطيع النوم في كثير من الأيام.
ويقول: «يكفيكم أن تسمعوا صوت أختي شهد، التي يجعل العقل يصمت أمام حنيتها. هي تحاول أن تبدو قوية ومكافحة، لكنها لا تستطيع النوم من الجوع في أغلب أيام الأسبوع».
ومع ذلك، يعود محمد إلى الحديث عن العمل، وكأنه يحاول التمسك بما تبقى له من إرث والده.
يقول: «نحن أقوياء وسنواصل كسب رزقنا من كد عرقنا. هذه هي التركة الوحيدة التي تركها أبي لنا بعد أن دُمر منزلنا».
بحر بلا مساحة للصيد
ولا تبدو قصة محمد استثناءً بين صيادي غزة، إذ تراجعت مساحة الصيد المتاحة لهم إلى حد كبير خلال الحرب.
ويقول زكريا بكر، رئيس لجان الصيادين، إن «مساحة الصيد صفر ميل»، مشيرًا إلى أن البحر مغلق عمليًا أمام الصيادين، فيما يخاطر بعضهم بالإبحار بقوارب صغيرة لمسافة لا تتجاوز 800 متر من الشاطئ.
ويضيف بكر، في تصريحات صحفية، أن أكثر من 67 صيادًا قتلوا في هذه المنطقة وحدها، مشيرًا إلى حوادث تعرضت خلالها قوارب الصيد للاستهداف، بينها حادثة أصيب فيها صياد على بعد نحو 200 متر من الشاطئ.
ويقول إن تدمير مئات القوارب الراسية، إلى جانب غياب تحرك فعلي لإنقاذ قطاع الصيد، عمّق انهيار المهنة، مضيفًا أن «البحر لم يُذكر في أي اتفاق أو ضمن أي لجنة مشكلة حتى الآن، ولا توجد أي مبادرات حقيقية على الأرض لدعم الصيادين».
قطاع ينهار
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، انهار قطاع الصيد البحري بصورة كاملة بفعل الحرب والحصار المستمر.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نحو 5 آلاف صياد كانوا يعيلون قرابة 50 ألف نسمة قبل الحرب، قبل أن تتحول مهنة الصيد إلى مخاطرة يومية كلفت 238 صيادًا حياتهم، وأدت إلى إصابة أو اعتقال نحو 450 آخرين.
ولم تقتصر الخسائر على الأرواح، إذ أدى تدمير القوارب ومعدات الصيد وتقييد الوصول إلى البحر إلى ضرب مصدر رزق آلاف الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على هذه المهنة.
بين البحر والجوع
في غزة، لم يعد البحر بالنسبة إلى محمد ورفاقه مساحة مفتوحة للرزق، بل أصبح حدًا يفصل بين الحاجة والخطر.
يخرج الصياد بحثًا عن الأسماك وهو يعرف أن المسافة التي تفصله عن الشاطئ قد تكون أقصر من المسافة التي تفصله عن الموت. ومع ذلك، يعود إليه مرة أخرى، لأن البديل بالنسبة إلى عائلته قد يكون الجوع.
وبينما يحاول «حبيب البحر» مواصلة المهنة التي ورثها عن والده، تبدو قصته انعكاسًا لمأساة قطاع كامل فقد جزءًا كبيرًا من قدرته على العمل والإنتاج خلال الحرب.
وخلّفت الحرب الإسرائيلية على غزة، التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 واستمرت عامين وفق النص، أكثر من 73 ألف شهيد فلسطيني وما يزيد على 172 ألف جريح، فضلًا عن دمار طال نحو 90% من البنية التحتية المدنية، وفق الأرقام الواردة في المادة.
لكن بالنسبة لمحمد، تختصر كل هذه الأرقام في سؤال واحد يطارده كل يوم: كيف يعود إلى بيته بشيء يضعه على مائدة أمه وإخوته؟

