غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بالصور قصة بائعٍ مبتور القدم.. حين يصبح النعناع رمزًا للإرادة والتحدي

جهاد الدبس بائع النعناع مبتور القدم.jpg
شمس نيوز - نضال أبو شربي

يتكئ جهاد الدبس على عكازه، ويثبت قدمه الوحيدة على الأرض، بينما يمسك بيده الأخرى بضع حزم من النعناع، يجوب بها شوارع غزة منذ ساعات الصباح الأولى.

ينادي على بضاعته بصوت أنهكه التعب "حزمة النعناع بشيكل واحد بس"، متنقلًا بين الطرقات والأسواق على أمل أن يشتري أحد المارة ما يحمله، فيعود إلى أطفاله الستة بما يسد رمقهم.

لم يكن بيع النعناع يومًا مهنته، لكن الحرب التي بترت قدمه اليسرى جعلته يحول هذه البضاعة البسيطة إلى وسيلته الوحيدة للبقاء.

منذ إصابته عام 2024، لم تعد الحياة كما كانت؛ فالحرب لم تترك أثرها في جسده فحسب، بل غيّرت تفاصيل حياته بالكامل، لتصبح كل خطوة يخطوها بحثًا عن لقمة عيش أسرته تحديًا جديدًا.

جهاد، النازح من شمال قطاع غزة، يعيل أسرة مكوّنة من ستة أفراد يعيشون ظروفًا إنسانية ومعيشية قاسية، شأنهم شأن آلاف العائلات التي أثقلتها الحرب والنزوح.

بعد بتر قدمه، لم يعد قادرًا على ممارسة عمله السابق، وأصبح الوقوف لساعات أو التنقل بين الأماكن مهمة شاقة، ومع ذلك، لم يسمح لإصابته أن تسلبه دوره كأب، فبحث عن أي وسيلة توفر الحد الأدنى من احتياجات أسرته، فكان بيع النعناع خياره الوحيد.

وقال جهاد الدبس، في حديثه لمراسل "شمس نيوز": "أنا أخرج كل يوم من الصباح حتى المغرب لأوفر لقمة العيش لأطفالي".

لكن معركة جهاد لا تقتصر على تأمين قوت يومه، فهو بحاجة أيضًا إلى مواصلة العلاج في مركز الأطراف الصناعية، على أمل الحصول على طرف صناعي يعيده إلى الحركة والعمل.

غير أن الوصول إلى المركز يتطلب تكاليف مواصلات أسبوعية لم يعد قادرًا على تحملها.

ويقول: "المشكلة أنني لا أستطيع توفير أجرة المواصلات كل أسبوع، أحيانًا تصل التكلفة إلى سبعين أو مئة شيكل حتى أصل إلى مركز الأطراف الصناعية، كنت أتابع العلاج باستمرار، لكنني اضطررت إلى التوقف بسبب ظروفي المادية".

يجد جهاد نفسه كل يوم أمام خيارين قاسيين؛ إما أن ينفق ما يجنيه القليل على طعام أطفاله، أو يحتفظ به ليصل إلى مركز العلاج.

وما يوفره من بيع النعناع بالكاد يكفي لتدبير جزء من احتياجات المنزل، فيما تبقى تكاليف العلاج والطرف الصناعي بعيدة عن متناول يده.

ورغم كل الصعوبات، يرفض الاستسلام، ويخرج كل صباح ببضاعته المتواضعة، متكئًا على عزيمته، محاولًا ألا يدفع أطفاله ثمن إصابته.

ومع حلول المساء، يعود بما تيسر من الرزق، لكنه يعود أيضًا محملًا بسؤال يلاحقه كل يوم: كيف سيواصل العلاج؟ وكيف سيتمكن من استعادة قدرته على الحركة؟

وفي مناشدة لأهل الخير، قال: "أناشد أهل الخير أن يقفوا إلى جانبنا، وإلى جانب جميع الجرحى والمصابين، حتى نستطيع مواصلة العلاج والعيش بكرامة".

قصة جهاد ليست قصة بائع نعناع فحسب، بل قصة أب يحاول أن يبدأ من جديد بعدما فقد جزءًا من جسده؛ فحزم النعناع التي يحملها كل صباح ليست مجرد بضاعة، بل رمز لمعركة يخوضها من أجل الكرامة، ومن أجل أن يبقى قادرًا على إطعام أطفاله ومواصلة حياته.

ورغم أن الحرب سلبته قدمه، فإنها لم تستطع أن تسلبه إرادته، إذ لا يطلب جهاد أكثر من فرصة لاستكمال علاجه، وطرف صناعي يعيده إلى الحركة، ومصدر رزق بسيط يضمن لأسرته حياة كريمة.