بين جدران ورشةٍ ما تزال آثار الحرب محفورة على سقفها وجدرانها المتصدعة، يقف بهجت عطا الله، خلف طاولة صغير ممتلئة بأشكال متنوعة من صناعة الفخار، حيث تتحرك أنامله بهدوء وخبرة متناهية، بينما تتحول كتل الطين شيئًا فشيئًا إلى أطباق وأباريق وأوانٍ فخارية تحمل ملامح حرفةٍ عريقة قاومت الزمن والحروب.
وما إن تنتهي عملية التشكيل، حتى ينقل العمال القطع إلى ساحة مكشوفة تحت أشعة الشمس لتجف، في ظل غياب الأفران اللازمة لحرقها، وهي واحدة من أبرز العقبات التي تواجه استمرار هذه الصناعة، وسط محاولات متواصلة للحفاظ على جودتها رغم شح الإمكانات.
في حيّ الدرج، وسط مدينة غزة، تقف منطقة الفواخير شاهدة على تاريخ طويل من صناعة الفخار، حيث حافظت مصانعها لعقود على واحدة من أقدم الحرف الفلسطينية التي توارثها الأبناء عن الآباء والأجداد.
لكن الحرب لم تترك هذه المهنة بمنأى عن الدمار، إذ طالت مصانعها وآلاتها وموادها الخام، لتتحول رحلة صناعة الفخار إلى معركة يومية من أجل البقاء، يسعى خلالها الحرفيون إلى إنقاذ إرثٍ ثقافي وتاريخي، وإثبات أن الطين ما زال قادرًا على أن يمنح الحياة شكلاً جديدًا حتى بين الركام.
يقول بهجت عطا الله لمراسل "شمس نيوز": "إن صناعة الفخار من الصناعات التراثية المتوارثة التي تشتهر بها غزة وفلسطين، وهي تمر بعدة مراحل، تبدأ من جلب الطين وتنقيته وتجفيفه، ثم عجنه وتشكيله، وصولاً إلى إدخاله الفرن وحرقه".
وأشار إلى أن الحرب غيرت طبيعة المنتجات التي تقوم عليها صناعة الفخار، مضيفًا: "أصبحنا ننتج بشكل أكبر الأواني التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية، مثل الصحون والقدور والأباريق والزير الفخاري، خاصة في ظل النقص الكبير في الأدوات المنزلية وارتفاع أسعارها".
وتابع بهجت قوله: "في بداية الحرب كان الإقبال على الفخار كبيراً جداً، لأن منتجاتنا أصبحت بديلاً للكثير من الأدوات المنزلية، كما ازداد الطلب على الزير الفخاري لحفظ مياه الشرب، لأن الفخار يساعد على إبقاء المياه باردة لفترة أطول".
ويضيف: "نواجه اليوم تحديات كبيرة، أبرزها ارتفاع تكلفة الكهرباء وصعوبة الحصول على الطين، في السابق كنا نجلب الطين من المناطق الشرقية لمدينة غزة، أما الآن فأصبحت عملية الوصول إلى تلك المناطق صعبة، وهذا انعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج".
وأشار بان الشاحنة الواحدة من الطين كانت تكلف قبل الحرب نحو 200 إلى 300 شيكل، أما اليوم فقد وصلت تكلفتها إلى ما بين 4000 و5000 شيكل، وهو ارتفاع كبير جداً يجعل استمرار الصناعة أكثر صعوبة".
وأكد على أن عملية عجن الطين أصبحت تتم يدوياً وكانت لدينا آلة مخصصة للعجن والتجانس، لكنها تحتاج إلى كمية كبيرة من الكهرباء، ومع ارتفاع تكلفة الكهرباء أصبح تشغيلها أمراً صعباً، لذلك يعتمد العمال على أيديهم في عجن الطين وتجهيزه.
وأوضح بان من ناحية الإنتاج، فالمصنع كان يعمل قبل الحرب بكامل طاقته، لكن بعد تدميره لم يتبقَ سوى جزء بسيط منه، كانت مساحة المصنع تتجاوز دونماً، وكان يضم عدة منشآت ومعدات، لكن القصف دمر معظمها، اليوم نعمل على ما تبقى من المصنع، وبطاقة إنتاجية لا تتجاوز تقريباً 30 إلى 40 بالمئة من قدرته السابقة.
وأوضح أنه رغم ما حصل من دمار وخراب جراء الحرب إلا أننا متمسكون بهذه المهنة لأنها ليست مجرد مصدر رزق بالنسبة لنا، بل مهنة ورثناها عن آبائنا وأجدادنا، ونريد أن تبقى حاضرة وألا تندثر بسبب الحرب".
مراحل صناعة الفخار
وعدد بهجت عطا الله خلال حديثه مع مراسل "شمس نيوز" مراحل صناعة الفخار قائلًا: "تبدأ رحلة القطعة الفخارية من الطين، الذي يتم جمعه وتجفيفه في مسطحات خاصة للتخلص من الرطوبة، بعد ذلك يوضع في بركة مخصصة لتنقيته من الشوائب، مثل الحصى والقش، ثم يعاد تجفيفه وتجهيزه.
وفي الظروف الطبيعية، تمر المرحلة التالية عبر آلة العجن التي تعمل على تجانس الطين وتجعله أكثر قابلية للتشكيل؛ لكن ارتفاع تكلفة الكهرباء أجبر العمال على الاستغناء عن الآلة والعودة إلى الطريقة اليدوية، ليصبح جهد العامل جزءاً أساسياً من عملية الإنتاج.
وبعد تجهيز الطين، يبدأ تشكيله وتحويله إلى منتجات مختلفة، من بينها الزير والأباريق والشُّرَب والأطباق والزبادي والقدور الفخارية، قبل أن تنتقل القطع إلى مرحلة الحرق لتكتسب صلابتها وشكلها النهائي.
