ولا تهنوا.. فالعلو بالإيمان والنصر وعد الله
فارس رفيق فحماوي/ باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في زمنٍ تكالبت فيه الأمم على أمتنا، وتظاهر الباطل بقوته وعتاده، وتوهم المعتدي أنه قادر على طمس الحق وإطفاء نوره.. يأتي نداء السماء ليوقظ القلوب الغافلة، ويعيد البوصلة إلى موضعها، ويمنح الثابتين وقود الثبات:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
صدق الله العظيم
1. معادلة العلو: الإيمان
تأمل دقة الخطاب الرباني. لم يقل سبحانه: "وأنتم الأعلون إن كنتم أكثر عدداً" ولا "إن كان معكم سلاح".
قال: "إن كنتم مؤمنين".
فالعلو المقصود ليس علو مادة ولا جاه، بل هو علو عقيدة، وعلو مبدأ، وعلو كرامة.
قبل أن يكون علو سيف، هو علو نفس أبية تأبى المهانة، وترفض الضيم، ولا تساوم على الحق.
يقول الشاعر:
إنّما العلوُ بالإيمان، فإيّاك والمهانةِ ونقصِ المروءةِ والكرامةِ
قد يعتلي الباطل بالمال والإعلام والجيوش.. لكنه علو زائف كزبد البحر، يذهب جفاء.
أما علو المؤمن فهو كالشجرة الراسخة، جذورها في الأرض، لا تقتلعها العواصف.
2. سنة إلهية: لا بد للباطل أن يُدمغ
التاريخ كله يعلمنا قانوناً ماضياً لا يتخلف: لا بد للباطل المعتدي أن يهزم، ليس هذا أمنية، بل سنة الله في خلقه:
قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18]
ومعنى "يدمغه": أي يضربه في مقتله ويكسره كسرة لا قيام بعدها، فالحق كالضربة النازلة على رأس الباطل فتبطله وتزهقه.
يدمغه فيحطم حجته، ويكسر شوكته، ويمحقه محقاً حتى يصير "زاهقاً" أي هالكاً زائلاً، نعم، قد يتأخر النصر لحكم عظيمة، منها التمحيص والابتلاء.
قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال: 37]
ليُعرف الصادق من المنافق، والثابت من المتراجع، ومن يستحق شرف النصر ممن لا يستحقه.
لكن الوعد قائم لا يتخلف. والنصر ليس حلماً، هو نتيجة:
نتيجة إيمان صادق، وعمل دؤوب، وصبر جميل، وثبات على المبدأ.
علىٰ قَدْرِ إيماني بربِّي أُوَفَّقُ،
3. الرضا: سلاح المؤمن في وجه اليأس
أخطر ما يريده المعتدي أن يكسرك من الداخل، أن يزرع فيك الوهن والحزن واليأس، فجاء العلاج الرباني حاسماً: "ولا تهنوا ولا تحزنوا"
ويكتمل هذا السلاح بـ الرضا الذي يغلق باب الشيطان:
رضيتُ بأمرِ اللهِ في المَنعِ والعَطا، فكلُّ الذي يَقضيهِ خيرٌ مُحَقَّقُ، فالمنع ليس حرماناً، والعطاء ليس دليل رضا دائماً، المؤمن يرضى لأن الله يدبر الأمر، ولأن ما يختاره الله هو الخير وإن غابت عنا الحكمة.
إلى المرابطين
اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون
إلى الثابتين في ساحات الحق.. أنتم الأعلون بإيمانكم، بصمودكم، بدمائكم التي تروي شجرة العزة، لا تلتفتوا لضجيج الباطل، فصوته عالٍ لأنه أجوف من الداخل.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21]
النصر قادم.. لأنه وعد الله.
والله لا يخلف الميعاد.
