تسود حالة من القلق والترقب في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، قبل نحو شهرين من الانتخابات المقبلة، على خلفية اتهامات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو باستغلال نفوذ مكتبه في التعامل مع بروتوكولات الحرب والسجلات السرية، وتوظيفها سياسياً لخدمة حملته الانتخابية وتشويه صورة خصومه.
وتأتي هذه الاتهامات في ظل استمرار غياب لجنة تحقيق حكومية رسمية تتولى فحص ملابسات أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما سبقها وما أعقبها من قرارات سياسية وأمنية وعسكرية.
وفي هذا السياق، دعا غادي آيزنكوت، المرشح لرئاسة الوزراء وعضو مجلس الحرب السابق، إلى الكشف الكامل عن محاضر جلسات مجلس الحرب، معتبراً أن اطلاع الجمهور على الوثائق كاملة من شأنه أن يتيح له معرفة الوقائع دون الاعتماد على اقتباسات مجتزأة أو روايات انتقائية.
وجاءت مطالبة آيزنكوت رداً على هجمات إعلامية شنها نتنياهو ضد خصومه السياسيين، اتهمهم فيها بالتسبب في عرقلة تحركات وقرارات عسكرية مهمة خلال الحرب.
ورفض آيزنكوت هذه الاتهامات، مستنداً إلى ما قال إنه موقفه السياسي والعملي داخل مجلس الحرب، موضحاً أنه دعم العمليات العسكرية في رفح وقطاع غزة، وكان من أبرز الداعين إلى اتخاذ إجراءات موسعة ضد إيران، بينما اتخذ نتنياهو، وفق روايته، موقفاً أكثر تردداً وأحال بعض القرارات إلى لجان وزارية مصغرة.
ويستند قلق المعارضة وشخصيات من المؤسسة الأمنية إلى سوابق أثارت جدلاً واسعاً بشأن طريقة تعامل مكتب رئيس الوزراء مع الوثائق السرية ومحاضر الاجتماعات، ولا سيما الاتهامات المتعلقة بتسريب اقتباسات مجتزأة منها بما يخدم الرواية السياسية للحكومة.
وتصاعد الجدل بصورة خاصة عقب نشر رد نتنياهو، المؤلف من 55 صفحة، على أسئلة مراقب الدولة ماتانياهو إنجلمان، إذ تضمن الرد اقتباسات من تقييمات استخباراتية وبروتوكولات سرية، ما أثار تساؤلات بشأن آليات رفع السرية عن هذه المواد وحدود استخدامها في السجال السياسي.
وأثارت الخطوة انتقادات من مسؤولين عسكريين وأمنيين سابقين، وصف أحدهم الوثيقة بأنها رواية أحادية الجانب تهدف إلى إبعاد المسؤولية عن القيادة السياسية وتحميلها للمؤسسة الأمنية. كما اعتبر مسؤولون آخرون أن رفع السرية عن أجزاء من الوثائق ونشرها يمثل سابقة خطيرة، من شأنها الالتفاف على الإجراءات المعتمدة للرقابة والتعامل مع المواد الحساسة.
وتخضع البروتوكولات والوثائق المرتبطة بالمداولات الأمنية لإجراءات قانونية وإدارية مشددة داخل الأمانة العسكرية ومكتب رئيس الوزراء.
وتُسجل المناقشات الرسمية والاجتماعات الأمنية، قبل أن تتولى طواقم مختصة تفريغها نصياً ومراجعتها بحضور الأمانة العسكرية، بهدف التأكد من دقتها.
أما الوثائق، فتحفظ في ملفات مصنفة وفق الموضوع والتسلسل الزمني، فيما يجري تداولها بين الجهات المخولة من خلال نسخ مطبوعة ومسجلة تُنقل عبر قنوات بريدية محددة ومختومة، مع فرض قيود على تداولها إلكترونياً للحد من احتمالات التسريب.
كما يُطلب من المسؤول الذي يتسلم وثيقة مصنفة التوقيع على استلامها، مع حظر تصوير المستندات باستخدام الهواتف أو أجهزة التصوير، تحت طائلة المسؤولية القانونية.
ولا تمنح الإجراءات المعتمدة أي مسؤول، بمن في ذلك رئيس الأركان، صلاحية تعديل محاضر الاجتماعات بصورة مباشرة. وفي حال وجود اعتراضات أو ملاحظات على مضمون المحضر، يفترض تقديمها عبر القنوات الرسمية المخصصة لذلك.
وتشير المستندات إلى أن المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، ونائبها جيل ليمون، وجها منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023 تحذيرات رسمية إلى مجلس الأمن القومي وجهاز الأمن العام "الشاباك"، شددا فيها على ضرورة الالتزام الصارم بالقواعد القانونية المنظمة للتعامل مع المداولات والمواد الحساسة.
وجاءت التحذيرات في أعقاب تقارير تحدثت عن محاولات لجمع ملخصات سرية من اجتماعات حكومية من جانب مسؤولين في مكتب رئيس الوزراء، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن حدود صلاحيات المسؤولين السياسيين في جمع الوثائق الأمنية، وآليات رفع السرية عنها وإتاحتها للنشر.
ومع اقتراب الانتخابات، يتحول الخلاف حول المحاضر والوثائق السرية من مسألة إجرائية داخل مؤسسات الدولة إلى جزء من معركة سياسية أوسع حول المسؤولية عن الإخفاقات الأمنية والعسكرية، ومن يملك حق تحديد الرواية التي ستُعرض على الجمهور بشأن قرارات الحرب.
