غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

جدري الماء يطارد أطفال غزة في خيام النزوح

جدري الماء
شمس نيوز - نضال أبو شربي

لم تعد الإصابة بجدري الماء في غزة مجرد مرض عابر بالنسبة للأطفال النازحين، إذ تتحول الحمى والحكة والطفح الجلدي داخل الخيام المكتظة إلى معاناة مضاعفة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه وصعوبة النظافة والعزل والوصول إلى الرعاية الصحية.

وبين طفل يكافح الحمى والحكة، وأم تحاول تبريد خيمتها بالماء، وأخرى تخرج منها بحثا عن الهواء، يتصاعد خوف الأسر من انتقال العدوى بين الأطفال، بينما تضاف الإصابة بالمرض إلى قائمة طويلة من أعباء النزوح التي تشمل الحر والعطش والاكتظاظ وانتشار الحشرات والقوارض.

خيمة واحدة لثمانية أشخاص

داخل خيمة صغيرة لا تتسع لثمانية أشخاص، تجلس أم عدي سويدان وهي تراقب جسد ابنتها الذي غطته البقع الحمراء الناتجة عن الحَبَ، تحاول الأم التخفيف عن طفلتها قدر الإمكان، فترش الماء داخل الخيمة وتمسح الأرضية وتبحث عن قليل من الهواء، لكن الحرارة سرعان ما تعود، ومعها الحمى والحكة والتعب.

ولم تعد الخيمة بالنسبة إلى عائلة سويدان مجرد مكان للنوم، فهي خلال ساعات النهار تتحول إلى مساحة خانقة تتجمع فيها الحرارة والحشرات والرطوبة، بينما تحاول الأم حماية أطفالها بما تملك من إمكانات محدودة.

تقول أم عدي سويدان، النازحة من شرق غزة والمقيمة في منطقة قصر المينا: "أنا أم لثمانية أفراد، وكلنا عايشين في خيمة واحدة، الوضع صعب جدا، خصوصا مع الحر، الخيمة في النهار تتحول إلى فرن، والأطفال لم يعد يتحملون الحرارة.

وتشير إلى طفلتها قائلة: "هاي بنتي، ظهرت على جسمها حبوب وبقع، وأنا بعاني معها كثير، الحرارة والتعرق زادوا تعبها، وأطفالنا صار معهم سخونة وحبوب ومشاكل في الجلد، وبعضهم أصيب بنزلة معوية".

وتضيف: "أنا طول الوقت بجري ورا أولادي، لما ترتفع حرارتهم بحاول أخفف عنهم، برش الخيمة مي وبمسح الأرض وبنظف، لكن المي بتنشف بسرعة من شدة الحر، وما بنقدر نسيطر على الوضع".

ولا تتوقف معاناة الأطفال عند المرض نفسه، بحسب الأم، فالحشرات والقوارض أصبحت جزءا من الحياة اليومية داخل الخيام.

وتؤكد سوايدان أن عائلتها عاشت ظروفا قاسية خلال سنوات الحرب والنزوح، وأنها تواجه اليوم خطرا جديدا يتمثل في الحرارة والأمراض.

وتقول: "في الشتاء عانينا من البرد والمطر، واليوم الصيف والحرارة والأمراض. إحنا ثمانية أشخاص في خيمة واحدة، وما عنا مكان ثاني نروح عليه."

وتختصر أمنيتها في كلمات بسيطة: "أتمنى أن يكون إلنا مكان آمن، وخيمة أفضل، ومي نظيفة، وعلاج لأولادي، أكثر شيء يوجعني إني أشوف أولادي مرضى وأنا مش قادرة أوفر إلهم حياة طبيعية".

نهرب من الخيمة بسبب الحرارة

وفي مكان نزوح آخر، تعيش أم صبحي حرز الله، النازحة من حي التفاح شرق غزة، ظروفا مشابهة؛ فلا تستطيع البقاء داخل خيمتها عندما ترتفع الحرارة، فتخرج منها بحثا عن الهواء، بينما تحاول في الوقت نفسه حماية أطفالها من الأمراض والحشرات.

وتقول: "أنا عندي ضغط ودهون وأزمة في التنفس، والحرارة داخل الخيمة صارت فوق قدرتي على التحمل. لما تشتد الشمس بطلع من الخيمة، لأنه ما بنقدر نقعد فيها."

وتصف الخيمة خلال ساعات النهار قائلة: "الخيمة بتصير خانقة جدا، كأنها موت. بنحاول نرشها مي ونمسحها، لكن المي بتنشف بسرعة من شدة الحرارة. حتى المي اللي بنعبيها للشرب بتصير دافية بسرعة."

وبالنسبة إلى الأطفال، توضح أن الظروف داخل الخيمة تجعل العناية بهم أكثر صعوبة، قائلة: "الأطفال أكثر ناس بتتعب. الحرارة والتعرق وقلة التهوية بتخليهم طول الوقت مرهقين، وبتظهر عليهم السخونة والحبوب والمشاكل الجلدية."

كما توضح أن "الفيران والحشرات موجودة، وإحنا بنحاول نسكر الخيمة بأي طريقة حتى نحمي أولادنا، لكن إذا سكرناها ما بيدخل هوا، وإذا فتحناها بتدخل الحشرات."

وتستعيد الأم مشاهد الشتاء، عندما كانت المياه والأمطار تهدد الخيام، لتقول إن النازحين يواجهون اليوم خطرا مختلفا: "في الشتاء كانت الخيمة تقع علينا من المطر والهواء، وكنا نطلع منها خايفين على أولادنا. اليوم الصيف صار هو الخطر. بنطلع من الخيمة وبنحاول نقعد بأي مكان فيه هوا."

وتختم: "إحنا ما بدنا حياة مرفهة. بدنا مكان يحمي أولادنا من الحر والبرد، ومي نظيفة، ومكان نظيف، وعلاج للأطفال. الخيمة صارت مصدر معاناة في الصيف والشتاء."

 

جدري الماء ينتشر في بيئة مكتظة

وتأتي هذه الشهادات في وقت تشهد فيه غزة زيادة في الأمراض المعدية داخل أماكن النزوح والإيواء.

وبحسب المعلومات الواردة في بيان مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، سجل نحو 9300 حالة إصابة بجدري الماء خلال أسبوعين فقط في أكثر من 130 مرفقا صحيا، مع تسجيل أكثر من نصف الحالات في محافظة خان يونس.

وترتبط زيادة الإصابات، بحسب الشركاء الصحيين، بالاكتظاظ وتراجع ظروف النظافة والصرف الصحي، إلى جانب الظروف البيئية وارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.

ولا يواجه الأطفال المرض وحده، فالبيئة التي يعيشون فيها تجعل الوقاية والعزل والعناية اليومية أكثر صعوبة.

وفي أماكن النزوح المكتظة، قد تجد الأسرة نفسها مضطرة إلى مشاركة مساحة صغيرة للنوم والجلوس والطعام، ما يجعل إبعاد الطفل المصاب عن إخوته مهمة شبه مستحيلة.

كما أن نقص المياه ومواد النظافة، وصعوبة غسل الملابس والأغطية بصورة منتظمة، وانتشار الحشرات والقوارض، كلها عوامل تزيد من تعقيد حياة الأسر النازحة.

وتشير اليونيسف إلى انتشار أمراض جلدية في أماكن النزوح في غزة، بينها جدري الماء والجرب والتهابات الجلد، في ظل ظروف صعبة تتعلق بالنظافة وتراكم النفايات ومخاطر انتقال الأمراض المعدية.

مرض قديم في ظروف جديدة

جدري الماء ليس مرضا جديدا في قطاع غزة، لكن ظروف الحرب والنزوح جعلت التعامل معه أكثر تعقيدا، خصوصا بالنسبة إلى الأطفال الذين يعيشون في أماكن مكتظة تفتقر إلى المياه والمساحات المناسبة للعزل.

وبحسب تقييم صحي لمنظمة الصحة العالمية، سجلت 11214 حالة جدري ماء حتى 30 يونيو 2024، مع توثيق تفشيات بين الأطفال والبالغين في مراكز إيواء مكتظة.

كما حذرت اليونيسف سابقا من ارتفاع مخاطر انتشار الأمراض بسبب الاكتظاظ ونقص المياه والصرف الصحي وإدارة النفايات واضطراب خدمات الرعاية الصحية.

وفي ظل استمرار ظروف النزوح، يأتي جدري الماء إلى جانب أمراض أخرى تعاني منها الأسر، مثل التهابات الجهاز التنفسي والإسهال المائي الحاد والتهابات الجلد.

وبالنسبة إلى الطفل، قد تبدأ المعاناة بحمى وحبوب وحكة، لكن بالنسبة إلى الأم تبدأ معها رحلة أخرى تشمل البحث عن الدواء، وتوفير المياه، وتنظيف الملابس والأغطية، ومحاولة عزل الطفل، وحماية بقية الأبناء من العدوى.