غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

   جيلٌ يؤجل أحلامه.. الشباب الغزي حين يصطدم الطموح بالبقاء  

شمس نيوز - سجى شمس

في خيمة صغيرة على أحد أرصفة مدينة غزة، يبيع محمد الشيخ ديب الملابس بدل أن يجلس خلف مكتبه كمحامٍ

لم يتخيل الرجل البالغ من العمر 33 عامًا أن تنتهي سنوات دراسته وممارسته للمحاماة إلى البحث عن زبون يشتري قطعة ملابس. منذ تخرجه في كلية القانون عام 2016، بنى محمد حياته المهنية تدريجيًا، وبدأ ممارسة المحاماة عام 2018، قبل أن تهدم الحرب مكتبه وأدوات عمله، وتدفعه إلى مهنة لم يخترها

اليوم، لم يعد محمد يفكر في الملفات التي كان يحلم بالتخصص فيها، ولا في تطوير مكتبه. أولويته أبسط من ذلك بكثير: أن يعود إلى بيته آخر النهار بدخل يكفي زوجته وأطفاله الثلاثة، فيما ينتظر مولوده الرابع

يقول وهو متكئ على كرسيه: "الحرب أخذت الكثير مني، أخذت عملي في مجال المحاماة، وأخذت مكتبي في شارع الوحدة، وجهاز الكمبيوتر والطابعة والكتب التي كنت أعتمد عليها. الحرب نسفت كل الطموح والأحلام

مما حدث لمحمد ليس حالة فردية؛ إنه تجسيدٌ للتحول القسري الذي يعيشه جيل كامل في غزة، فكما اوضح محمد " دخل الجامعة بخطة واضحة لما بعد التخرج، ليجد نفسه فجأة في بيئة تفتقر إلى أبسط الموارد التي تمكّنه من ممارسة ما تعلّمه"

WhatsApp Image 2026-08-31 at 2.56.25 PM (4).jpeg
 

ويصف ان ما حدث له  ليس خسارة وظيفة فحسب؛ إنه انقطاع لمسار مهني كان يُفترض أن يقود شابًا في الثالثة والثلاثين إلى مرحلة من الاستقرار وبناء المستقبل.

وفي غزة، لم يواجه جيل كامل فقدان فرص العمل فقط، بل وجد نفسه مضطرًا إلى إعادة تعريف معنى العمل نفسه: ليس بوصفه امتدادًا للشهادة والطموح، بل وسيلةً لتأمين الطعام والسكن والدواء.

وتعكس الأرقام الرسمية حجم هذه الكارثة الاقتصادية والاجتماعية؛ إذ أفاد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، في بيانه الصادر بمناسبة يوم الشباب الدولي في أغسطس/آب 2026، بأن معدل البطالة بين الشباب في قطاع غزة تجاوز 77%، في حين تخطت النسبة 85% عموماً وتجاوزت 96% بين الشابات الخريجات .

وفي حديثه لبرنامج «سوا» عبر بودكاست مؤسسة بيت الصحافة، أوضح استشاري العمل النقابي والاجتماعي، د. سلامة أبو زعيتر، أن: «الحرب فرضت تغيرًا حادًا في الأدوار والمسؤوليات الاقتصادية داخل الأسرة الفلسطينية، مما دفع الخريجين حملة المؤهلات إلى الامتهان القسري لمهن بدائية ويدوية مؤقتة لتأمين القوت اليومي، في ظل تضرر وفقدان أكثر من 96% من المنشآت والمشاريع الصغيرة لركائزها الاقتصادية».

قبيل الحرب، كان محمد يفكر في التخصص والتطور المهني، أما اليوم فتصدرت أولوياته متطلبات أخرى: النزوح، والمواصلات، والسكن، والطعام، والدواء، ومصاريف الأسرة.

 وجد الجميع أنفسهم أمام خيار واحد: «اللجوء إلى أي مصدر دخل يصون الكرامة»، كما يوضح محمد.

WhatsApp Image 2026-08-31 at 2.56.25 PM (3).jpeg
 

وبينما اضطر محمد إلى ترك مهنته، اختار عمرو مقداد  (33عاماً) إلى التشبث بعمله في الطباعة بمكتبة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة ، رغم أن حلمه كان في مكان آخر، درس عمرو الإعلام والعلاقات العامة في جامعة الأزهر، ثم الإعلام واللغة العربية في جامعة الأمة، يحلمُ بأن يكون محرراً صحفياً أو مراسلاً، وأن يؤسس وكالة أنباء، كان  ببداية رحلته ويعمل في الطباعة قبل الحرب، وبعدها صار التخلي عنها ضرباً من المغامرة. 

 "في إيدي شغلة، بدي أتمسك فيها، ترك مصدر الدخل الحالي والبحث عن فرصة أخرى قد يعني أن أخسر الاثنين معاً". يقول عمرو

قبل الحرب، كان مشروعه الخاص جزءًا من خطته للمستقبل؛ اليوم، أصبحت قارورة الماء ومصروف البيت جزءًا من حساباته اليومية

 يضيف "أي شاب كان طموحه يبني ويستقر… اليوم كل ما نفكر به كيف نعبي قلّن ميّة، وكيف نطلع من الصبح لآخر اليوم عشان نجيب مصروف البيت".

وبين محمد الذي  بدل مهنته، وعمرو الذي تشبث بها،  تظهر ربا القيق، البالغة من العمر(28 عاماً) ، والمقيمة في حي النصر بمدينة غزة ،تخرجت ربا في تخصص هندسة الحاسوب من الجامعة الإسلامية، وكانت قد أحبت الحاسوب منذ طفولتها وتخيلت لنفسها مستقبلًا مهنيًا مستقرًا. لكن ندرة فرص العمل دفعتها، قبل الحرب، إلى التصميم والعمل الحر، وكانت تقترب من إطلاق مشروعها الخاص حين اندلعت الحرب، فخسرت جهازها، وانقطعت الكهرباء والإنترنت والتواصل .

WhatsApp Image 2026-08-31 at 2.56.25 PM (5).jpeg
 

حاولت ربا العودة إلى تخصصها والعمل في مجال التصميم، غير أن غياب الأجهزة والاتصال المستقر، إلى جانب ندرة الفرص، جعل الأمر شبه مستحيل، عندها عادت إلى موهبة قديمة رافقتها منذ سنوات: الرسم

 بدأت برسم الشخصيات الكرتونية للأطفال، مستخدمة أدوات بسيطة لا تتجاوز قلم رصاص ودفترًا، تحصل عليهما من المتاح لها داخل غزة. وترسم ربا شخصيات يطلبها الأطفال أو ذويهم، فتمنحهم رسومات تعبر عنهم أو تشبه الشخصيات التي يحبونها، في محاولة لتحويل موهبتها إلى مصدر دخل، ولو محدودًا.

لم يكن الرسم خطتها البديلة، لكنه أصبح المساحة الوحيدة التي استطاعت الوصول إليها دون جهاز أو كهرباء أو اتصال مستقر بالانترنت

تقول ربا : "أصبح الرسم سبيل النجاة والمنقذ ، لم يعوضني عن تخصصي، لكنه أعطاني شيئًا أستمر به".

وبعينين اغرورقتا بالدمع، تضيف: "كلما تقدمنا خطوة، أعادتنا الحرب خطوات إلى الخلف" .

 الإصرار نفسه يظهر في قصة دعاء حلس، البالغة من العمر ( 25عاماً) والمقيمة في منطقة الصحابة بمدينة غزة، تخرجت دعاء في تخصص طب الأسنان من جامعة الأزهر، ومنذ دخولها الكلية كانت ترى نفسها في عيادتها الخاصة ، لكن تدمير العيادات ونقص المواد الطبية وارتفاع أسعارها جعل ممارسة المهنة شبه مستحيلة

ووفقًا لمركز غزة لحقوق الإنسان، يشهد قطاع طب الأسنان في غزة انهيارًا شبه كامل؛ إذ تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 84% من المرافق الصحية في القطاع قد تضررت أو دُمّرت منذ بداية الحرب. وقد طال هذا الدمار عددًا كبيرًا من عيادات الأسنان الحكومية والخيرية والخاصة، ما أخرج معظمها عن الخدمة، وضيّق أمام الخريجين الجدد فرص ممارسة مهنتهم في بيئة مهنية مستقرة.

تقول دعاء: "لم أنتقل إلى مجال آخر لأنني فقدت الرغبة أو القدرة، لكن الظروف دمرت البيئة التي يفترض أن أعيش فيها حياتي المهنية بصورة طبيعية وعادية".

WhatsApp Image 2026-08-31 at 2.56.23 PM.jpeg
 

هؤلاء الشباب لا يطلبون حياة استثنائية؛ يريدون فقط أن تعود شهاداتهم إلى معناها الطبيعي: أن تقود إلى عمل، وأن تتحول المهارات التي قضوا سنوات في بنائها إلى مهنة، وأن يكون المستقبل أكثر من حساب ما يكفي ليوم واحد.

لكن الحرب دفعتهم إلى تأجيل هذا المستقبل. محمد يبيع الملابس بدل أن يمارس المحاماة، وعمرو يتمسك بعمله الحالي خشية أن يفقد مصدر دخله الوحيد، وربا تحاول أن تجعل من الرسم مساحة للعيش، فيما وجدت دعاء نفسها تعمل في مجال بعيد عن طب الأسنان.

لم يفقد هذا الجيل أحلامه بالكامل؛ لكنه اضطر إلى وضعها جانبًا ليبقى  السؤال نفسه: متى يستطيعون استئناف الحياة  التي بترتها الحرب؟