غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

والجبال أوتادا".. حين تضع الآية القرآنية قواعد استراتيجية لمواجهة العواصف

فارس فحماوي
بقلم الباحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن: فارس رفيق فحماوي

"والجبال أوتادا".. حين تضع الآية القرآنية قواعد استراتيجية لمواجهة العواصف 

قال تعالى: _{وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}_ 

في خضم هذا الزمن الذي تكثر فيه المساومات وتتسارع فيه التنازلات تحت لافتات براقة، تعيدنا آية محكمة من كتاب الله إلى أصل راسخ في فهم بناء الأمم وثباتها. فكما أن الله سبحانه جعل الجبال أوتاداً للأرض لتثبتها فلا تميد ولا تضطرب، فقد جعل لهذه الأمة أوتاداً من جنسها تحفظ كيانها وتمنعها من السقوط.

الوتد له طبيعة خاصة، فما يظهر منه قليل وما يغيب في الأرض كثير. وهذه إشارة بليغة إلى أن قوة الموقف السياسي الحقيقي ليست في بريق الخطاب ولا في كثرة التصريحات، وإنما في عمق الجذور الاستراتيجية والثبات على الثوابت التي قامت عليها الأمة. فأي دولة أو مشروع سياسي بلا جذور عقدية وهوية واضحة واستراتيجية ثابتة، هو كالخيمة التي نزعت أوتادها، لا تحتاج إلا إلى نسمة هواء حتى تنهار.

ومن هنا نستلهم من الآية معنى تمتين الموقف السياسي. فالأمة التي تريد أن تثبت في وجه العواصف لا بد أن تحرس أوتادها. أولها وتد العلم، علماء ربانيون لا يخشون في الله لومة لائم، يبينون الحكم الشرعي في النوازل ويثبتون الناس على الحق حين تختلط الأوراق. وثانيها وتد العدل، قضاء مستقل يحفظ الحقوق ويمنع الظلم، لأن الظلم يميل بالدول كما يميل البنيان إذا اختل أساسه. وثالثها وتد القوة، قوة تحمي الثغور وتصون الكرامة وتردع المعتدي. ورابعها وتد المجتمع، الأسرة المتماسكة التي تغرس في الأبناء معنى الثبات والهوية.

إن أخطر ما يهدد هذه الأوتاد هو منطق التنازل المتدرج عن الثوابت. فالتنازل عن أصل واحد بحجة الواقعية أو المصلحة المرحلية يفتح الباب لتنازلات تتبعه، حتى نستيقظ وقد فقدنا الخيمة كلها. والفكر السياسي الإسلامي يفرق تفريقاً واضحاً بين المرونة في الوسائل التي تتغير بتغير الزمان والمكان، وبين التفريط في الأصول التي لا مساومة عليها. فالاستقامة التي أمرنا بها في قوله تعالى _{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ}_ لا تقبل التجزئة ولا التلون.

ثم إن الجبل راسخ ليس بقمته الظاهرة، وإنما بجذره الغائر في أعماق الأرض. وهكذا الشأن في السياسة، فقوة الظاهر من قوة الباطن. كثير من الخطاب السياسي اليوم يعنى بالتكتيك اليومي ورد الفعل اللحظي، وينسى الاستراتيجية بعيدة المدى. بينما الاستراتيجية في المشروع الإسلامي واضحة وثابتة لا تتغير: إقامة الدين، تحرير المقدسات، نصرة المستضعفين، وبناء قوة ذاتية للأمة. يجوز أن نناور في التكتيك وأن نتحرك وفق المعطيات، ولكن بحرمة المساس بهذه الاستراتيجية. فمن يفرط في الاستراتيجية من أجل مكسب آني، هو كمن يقطع جذر الجبل ليحصل على حجر صغير.

وظيفة الوتد الأساسية هي مقاومة الرياح، ووظيفة الموقف السياسي المتمتين هي الثبات أمام العواصف. وعواصف هذا العصر كثيرة ومتلاحقة: من التطبيع إلى التغريب، ومن الحصار إلى الحرب النفسية والإعلامية. والموقف الراسخ هو الذي لا يتبدل مع كل بيان، ولا يلين مع كل ضغط، ولا يباع في سوق المساومات. إنه موقف يقوم على وضوح الهدف وحكمة الوسيلة، مستحضراً وعد الله _{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}_. 

إن معركة اليوم هي معركة الأوتاد. فإما أن نغرس في أرض الأمة علماء راسخين وقيادات واعية وشعوباً حية ترفض التمييع وتطالب بالثوابت، وإما أن نترك الساحة خالية فتميد بنا الأرض. الجبال لم تخلق عبثاً، وثوابت الدين لم تنزل عبثاً. وقد علمنا التاريخ أن الأمم لا تسقط فجأة، وإنما تبدأ بسقوط وتد، ثم يتبعه وتد، حتى لا يبقى ما يثبتها.

_{وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا}_ 

نسأل الله أن يجعلنا من الأوتاد الذين يثبت الله بهم الحق، وأن يعصمنا من أن نكون ممن يميعون الثوابت تحت مسمى السياسة.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".