غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

تنافس الانتخابات في إسرائيل: وقف الحرب أو شكل إدارتها؟

2 (1).webp
شمس نيوز -

بات واضحاً أن غالبية مواطني كيان العدو، المتأثرين بالأساطير اليهودية، ينظرون إلى الحرب على الآخر بوصفها جزءاً ثابتاً من هوية هذا الكيان. وهذا المجتمع يتجه اليوم نحو انتخابات باتت تشكّل عنواناً رئيسياً على جدول أعمال غالبية حكومات العالم، بعدما فرضت حروب إسرائيل المفتوحة منذ ثلاث سنوات نفسها على المشهد الدولي، ولم تترك مجالاً لتغيب أخبارها عن مئات الملايين من البشر.

لكن اتساع دائرة الاهتمام بإسرائيل لا يعود إلى حروبها وحدها، بل إلى موقعها بوصفها أحد أبرز أدوات الاستعمار الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة وأوروبا. فإسرائيل لا تتحرك في فلسطين فحسب، بل يجري توظيف اليهود ومؤسساتهم وشبكاتهم في ساحات بعيدة عنها، من أميركا الجنوبية إلى أفريقيا، وصولاً إلى شرق أوروبا وآسيا.

وكما كان اللبنانيون يتغنّون بقدرتهم على جعل الكرة الأرضية كلها تعرف اسم لبنان، فإن إسرائيل حققت، إلى حدّ بعيد، حضوراً عالمياً مماثلاً. غير أن الفارق أن اسم الكيان، خلال العقد الأخير وحتى اليوم، بات يرتبط في الوعي العالمي بالحروب والجرائم والدماء.

بالنسبة إلى بعض العاقلين من المنخرطين في الحكم في أكثر من منطقة في العالم، بات واضحاً أن افتراقاً جدياً نشأ بين حكومة بنيامين نتنياهو والإدارة الأميركية الحالية، وأن ما تبقى هو مستوى التنسيق الطبيعي بين دولتين حليفتين.

وفي المقابل، يبذل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وكذلك في أوروبا، جهداً كبيراً لحصر الموقف السلبي في أداء نتنياهو وحكومته، وعزله عن إسرائيل ككل. وتُظهِر حركة يهود العالم، بوضوح، أن إسرائيل لا تمثّل قدراً محتوماً بالنسبة إلى بقية العالم.

ثم جاءت الحرب على إيران لتكشف الكثير داخل الغرب نفسه. فإذا كانت الإبادة في فلسطين ولبنان لم تترك، حتى الآن، أثراً مباشراً وحاسماً في مصالح الغرب، فإن الحرب على إيران وضعت الاقتصاد العالمي برمّته في دائرة التأثير. والأهم أن هذه الحرب جعلت الخليج العربي بأكمله ساحة حرب مفتوحة. وإذا كانت حكومات ممالك الجزيرة العربية قد نجحت في تغييب الانعكاسات الخطيرة للحرب على دولها، اقتصادياً واجتماعياً وحتى سياسياً، فإن من بيدهم القرار يعرفون جيداً حقيقة ما يجري. وبالتالي، فإن لهذه الحرب أثرها الكبير في المصالح الغربية القائمة فيها، وفي مستقبل هذه المصالح أيضاً.

يواجه نتنياهو اختباراً كبيراً، ليس من أجل البقاء في السلطة فقط، بل من أجل حماية ما تبقّى من حلمه الصهيوني الكبير، وشرعية خصومه الخارجية تتطلب برنامجا للخروج من حالة الحرب المفتوحة

في إسرائيل نفسها، ظلّت الفئة القلِقة من مسار الحرب المفتوحة محدودة التأثير. وتُظهر الإحصاءات الصادرة في الكيان حول حجم الهجرة المعاكسة ونوعيتها، خلال السنوات الثلاث الماضية، أن ما يُطلَق عليه إسرائيلياً اسم «النخبة المهنية»، هي الفئة الأكثر هروباً من الواقع الحالي، ليس فقط من أجل حماية مصالحها القائمة على خدمات مطلوبة في عالم التكنولوجيا والطب والهندسة والصناعات الخاصة، بل لكونها باتت، مع الوقت، مجموعة تنتمي في تفكيرها وسلوكها إلى التيار الليبرالي الغربي، حيث السوق مفتوحة لاستثمارات تستند إلى القوة أيضاً، لكنها تنشد الاستقرار من أجل ديمومة استثماراتها. وقد وجدت هذه الفئة في تصاعد نفوذ اليمين، المستند إلى قاعدة لا ترى في الخدمة العامة أولوية، خصماً يهدد مستقبلها. يضاف إلى ذلك أن دخول إسرائيل في حالة طوارئ مفتوحة انعكس على سلوك السياسيين من جهة، وعلى هامش الحريات الإعلامية من جهة ثانية، وعلى بيئة الاستثمار من جهة ثالثة.

وقد وجدت هذه الفئة في تصاعد نفوذ اليمين الذي يستند إلى قاعدة عاطلة عن الخدمة العامة، خصماً يهدّد مستقبلها، عدا أن دخول إسرائيل في حالة طوارئ مفتوحة، انعكس على سلوك السياسيين من جهة وعلى حريات الإعلام من جهة ثانية، وعلى مشاريع الاستثمار من جهة ثالثة، وكلها أسباب تدفع هذه «النخبة» ومن بقي منها في إسرائيل، إلى البحث عن سياق آخر للمسار السياسي.

ومع ذلك، فإن المتنافسين على السلطة في الانتخابات المقرّرة بعد نحو ستة أسابيع، لا يُظهرون خلافات استثنائية حول جوهر المشروع التوسّعي للكيان. بل إن الطبيعة العدوانية الغالبة على المجتمع الإسرائيلي تجعل التنافس الانتخابي يدور أساساً شعارات تركّز على اعتبار نتنياهو فاشلاً في إدارة الحرب، وعلى أن قراراته جعلت جيش إسرائيل عبارة عن مجموعة من القتلة المُطاردين في العالم، وأن نفوذ المتطرفين مثل بن غفير وسموتريتش يوجّه ضربة إلى صورة إسرائيل في العالم. وكل ما يريده خصوم نتنياهو، هو القول - حتى اللحظة - إنهم يعترضون على أسلوبه في الحكم، وإنه بات عليه الابتعاد وأن يترك لهم إدارة المعركة بطريقة مختلفة.

في الولايات المتحدة، يدور همس حول نقاش داخل الإدارة الأميركية بشأن ضرورة إحداث تغيير سياسي كبير في إسرائيل، بما يتيح دفع الكيان إلى الخروج من حالة الحرب المفتوحة والانتقال إلى مسار التسوية، وما يقتضيه ذلك من تنازلات، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا.

وبين داعمي إسرائيل في الولايات المتحدة، ثمّة من أوقفوا ممارسة الضغط الجدّي على دول مثل السعودية وتركيا لعقد تسويات مع إسرائيل، بعدما أدركوا أن هذا المسار لم يعد قابلاً للانطلاق بالشروط التي كان يُفترض أن تسير وفقها الأمور قبل ثلاث سنوات.

وحتى السلطة الجديدة في سوريا، التي أعلنت منذ اليوم الأول باتت خارج دائرة الصراع مع إسرائيل، تجد نفسها، يوماً بعد يوم، أمام حالة من الانكسار، بفعل إصرار إسرائيل على إخضاعها بكل الوسائل. ويضاف إلى ذلك التوتر الجدّي في العلاقة بين إسرائيل ومصر، ما يجعل الأردن، مع ملحقه المتمثّل بسلطة رام الله، الطرف الوحيد المنخرط في تنسيق كامل مع إسرائيل، سياسياً وأمنياً وعسكرياً.

قد يبدو الرهان على الانتخابات الإسرائيلية مناسباً لقوى كثيرة، لكن الأهم أن هذا الاستحقاق بات ممراً إلزامياً لرسم مسار المرحلة المقبلة. فحتى لو بقي نتنياهو في الحكم، لن يكون قادراً على مواصلة الوضع القائم بالشكل نفسه، ليس إرضاءً للآخرين، حلفاء كانوا أم خصوماً، بل لأن الاختبار الحقيقي للقدرة على التحمّل لم يعد يتعلق بالجيش وحده، وإنما بقدرة المجتمع الإسرائيلي نفسه على الاستمرار في حالة حرب مفتوحة، خصوصاً أن عناصر المبادرة لن تبقى إلى وقت طويل محصورة بيد إسرائيل!

المصدر: الأخبار اللبنانية