غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

صالح الإسى.. رحلة أب لا تنتهي بحثا عن ابنه المفقود

المفقود محمد الإسىًّ
شمس نيوز - نضال أبو شربي

تعد قضية المفقودين في قطاع غزة فصلا من فصول مأساة حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023، وما ترتب عليها من انعكاسات قاسية على آلاف العائلات الفلسطينية التي تبحث عن أبنائها منذ سنوات أو أشهر.

وما تزال آلاف العائلات في قطاع غزة تنتظر معرفة مصير أحبائها؛ فمنهم من قد يكون تحت الأنقاض، ومنهم من قد يكون محتجزا، ومنهم من قد يكون فارق الحياة دون أن تعرف عائلته أين دفن.

ووفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فإن هذه ليست مجرد مأساة عاطفية، بل أزمة حقوقية وقانونية وسياسية متكاملة، إذ لا يعترف القانون الدولي الإنساني بالمفقود باعتباره رقما مجهولا، بل يقر للعائلات بحق معرفة مصير أقاربها، ويفرض على أطراف النزاع اتخاذ التدابير الممكنة للبحث عن المفقودين وتحديد أماكنهم.

ومن بين العائلات التي تبحث عن أحبائها، يظهر المواطن صالح الإسى، الذي فقد ابنه محمد منذ 18 فبراير 2024، عندما نزح إلى مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة.

"بابا بدي أشوف سواق وأبعت لك طحين أو دخان، المجاعة قتلتكم في غزة".. كانت هذه آخر كلمات محمد التي سمعها والده صالح عبر الهاتف، بعدما وصل نجله إلى خانيونس باحثا عن مكان آمن بعيدا عن لهيب الحرب في مدينة غزة.

رد صالح على نجله بهدوء وثقة بالله: "يا محمد لا ترسل لي شيئا، فقط انتبه لنفسك ودير بالك على حالك يا ولدي".

ومنذ ذلك الاتصال، في 18 فبراير 2024، لم يسمع صالح صوت ابنه محمد مرة أخرى.

وتنحدر عائلة صالح الإسى من حي التفاح شرق مدينة غزة، وكان محمد قد غادر المدينة في بداية الحرب متجها إلى الجنوب بحثا عن مكان آمن، بينما بقي والده في غزة، يتنقل من شارع إلى آخر وبين الأحياء المدمرة، مؤكدا تمسكه بالبقاء والصمود في مواجهة آلة القتل الإسرائيلية.

ويقول صالح "إن نجله "نزح منذ الأسبوع الأول للحرب من مدينة غزة إلى الجنوب واستقر هناك قرب دوار بني سهيلا في مدينة خانيونس".

وكان محمد يبيع البضاعة على مفترق بني سهيلا لمدة شهرين، قبل أن ينتقل إلى منطقة الصناعة، حيث واصل عمله حتى آخر اتصال أجراه مع والده.

ويصف صالح ذلك الاتصال بأنه كان "طبيعيا وعاديا"، مضيفا: "لم يكن هناك ما يشعرنا بالخوف تجاه محمد، كان صوته هادئا وطبيعيا".

لكن مخاوف الأب تضاعفت بعدما علم أن نجله كان يتجه مع الناس صوب شاحنات المساعدات، في وقت فقد فيه المئات في تلك المنطقة، عرف مصير بعضهم لاحقا بين الشهداء أو المعتقلين، فيما بقي آخرون في عداد المفقودين، دون أن تعرف عائلاتهم ما إذا كانوا أحياء أم أمواتا.

ومنذ فقدان نجله، تواصل صالح مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومؤسسات حقوق الإنسان، وقدم جميع البيانات والمعلومات المتعلقة بمحمد، دون أن يحصل على نتيجة.

وقبل نحو شهرين، جدد صالح طلبه لدى مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حيث جرى تحديث بيانات نجله، أملا في الحصول على أي معلومة تقوده إلى مصيره.

ولم يفقد صالح الأمل. فعقب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 وفتح الطريق بين شمال قطاع غزة وجنوبه، سارع إلى التوجه نحو خانيونس، حاملا صورة نجله على هاتفه.

ويقول: "كنت أبحث عن شيء يريح قلبي ويخمد ناري، دون فائدة".

وفي إحدى المرات، أبلغه شخص بأنه رأى نجله في مدينة دير البلح وسط القطاع، فاتجه إليها مباشرة، لكنه لم يجد محمد.

ويقول صالح: "بقيت أبحث عنه جنوب القطاع نحو أربعة أيام، ولم أصل إلى نتيجة تذكر، فعدت إلى غزة خالي الوفاض".

ومع ذلك، لم يتوقف الأب عن البحث، فعندما سمع عن تسليم الاحتلال جثامين الشهداء إلى مجمع ناصر الطبي، اتجه مباشرة إلى المجمع، باحثا عن نجله بين الجثامين.

وكانت تلك اللحظات شديدة القسوة بالنسبة إليه، خصوصا أمام مشاهد التعذيب والجثامين المشوهة، لكنه واصل البحث على أمل أن يجد أثرا لمحمد.

ويتمنى صالح، كغيره من آلاف أبناء قطاع غزة، أن تنتهي حالة الانتظار التي أثقلت قلبه، قائلا: "أطالب كل من يعرف شيئا عن محمد أن يبلغني، أو يبلغ اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أو أي جهة يمكنها مساعدتنا في معرفة مصيره، حتى وإن كان شهيدا".

وكانت وزارة الصحة في غزة أعلنت تلقيها نحو 3500 بلاغ عن مفقودين مجهولي المصير، في حين تقدر مؤسسات حقوقية، بينها مؤسسة الضمير، عدد المفقودين في القطاع بنحو 9500 حالة، في أرقام تعكس اتساع دائرة الغموض التي تحاصر آلاف الأسر.

وتختزل قصة صالح معاناة آلاف الفلسطينيين؛ آباء وأمهات يحملون صور أبنائهم، وأطفال ينتظرون عودة آبائهم، في مشهد لا يبدو فيه الانتظار مجرد مرور للوقت، بل حياة كاملة معلقة على خبر قد يأتي، أو قد لا يأتي أبدا.