غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

وفاء عكيلة.. حكاية الفراشة التي ذهبت إلى المدرسة وعادت محمولة على الاكتاف

الشهيدة الطفلة وفاء عكيلة
شمس نيوز - نضال أبو شربي 

في صباح السادس من سبتمبر/أيلول 2026، حملت الطفلة وفاء عكيلة، ذات الأعوام التسعة، حقيبتها المدرسية ومضت إلى مدرسة HDF في حي النصر غرب مدينة غزة، تحمل معها فرحة العودة إلى مقاعد الدراسة، وأحلام طفلة كانت تحب المدرسة وتنتظر بداية عامها الدراسي الجديد. 

كانت وفاء تتهيأ ليوم يشبه أيام الأطفال؛ تلتقي بصديقاتها، تجلس في مقعدها، تتعلم شيئًا جديدًا، ثم تعود إلى بيتها لتروي لعائلتها تفاصيل يومها الأول. 

أثناء عودتها من المدرسة برفقة والدها، استُهدفت السيارة التي كانت تستقلها في شارع النصر، لتنتهي رحلة وفاء من المدرسة برحيلها عن الحياة، وتتحول عودتها من أول يوم دراسي إلى آخر رحلة لها في هذه الدنيا. 

في لحظة واحدة، انطفأت أحلام طفلة كانت تحب التعلم، وتنتظر أن تكبر، وتعيش طفولتها بين المدرسة والصديقات والعائلة، لتصبح واحدة من أطفال غزة الذين دفعت الحرب حياتهم ثمنًا لمحاولتهم البقاء والعيش. 

وفي مدرستها، لم يعد مقعد وفاء يحمل حقيبتها الصغيرة، لكن صورتها بقيت معلقة في أروقة المكان، تخليدًا لذكراها، ولطفلة كانت قبل ساعات فقط تلميذة تستعد لعام دراسي جديد، قبل أن تتحول إلى ذكرى تسكن قلوب معلماتها وصديقاتها وكل من عرفها. 

كانت وفاء في التاسعة من عمرها، لكن والدتها كانت تراها أكبر من ذلك؛ طفلة ذكية، محبة للتعلم، قريبة من الجميع، ولها أحلام تتجاوز عمرها الصغير. 

كانت أمها تستعجل الأيام لترى ابنتها تكبر، فتهتم بتعليمها، وتسجلها في دورات اللغة الإنجليزية، وتحفزها على حفظ القرآن، وتتابع دراستها بكل تفاصيلها، حتى إنها جهزت حقيبتها وملابسها وقرطاسيتها استعدادًا لبداية عام دراسي جديد. 

لم تكن الأم تعلم أن تلك الاستعدادات ستكون لليوم الدراسي الأخير في حياة ابنتها وفي السادس من سبتمبر، عادت وفاء إلى المدرسة كما كانت تحلم، لكنها لم تعد إلى بيتها عادت إلى السماء، تاركة خلفها حقيبة مدرسية، وصورة معلقة على جدران مدرستها، وكرسيًا فارغًا، وصديقات ينتظرن طفلة لن تدخل الصف من جديد. 

أما أمها، فبقيت تستعيد تفاصيل ابنتها الصغيرة، وتتشبث بذكرياتها، مؤمنة بأن وفاء التي أحبت الحياة والتعلم، ستبقى حاضرة في كل زاوية من البيت والمدرسة، وفي قلبها إلى الأبد. 

سحر العكلوك والدة الطفلة وفاء قالت كانت طفلة رائعة، بشهادة كل شخص عرفها. كانت روعتها في كل شيء غريبة ومميزة، وكل الناس كانوا يقولوا عنها إنها صبية كبيرة، لأنها كانت تفهم كثير، وتفهم في الدنيا أكثر من عمرها." 

وتضيف: "أنا كنت مستعجلة عليها، سبحان الله، كنت مهتمة فيها كثير ومستعجلة عليها في كل شيء؛ في تعليمها، وفي الاهتمام فيها، وفي دراستها. كنت دائمًا بدي أشوفها كبيرة، وكنت أتعامل معها على إنها أكبر من عمرها." 

لم تكتفِ الأم بأن تترك طفولتها تسير بشكل طبيعي، بل كانت تحاول أن تمنحها كل فرصة ممكنة للتعلم والتطور. 

وتشير: "كنت مستعجلة على تعليمها، وعلى تحفيزها بالقرآن، وأسجلها في دورات إنجليزي، وأهتم بالمدرسة وبكل شيء. كنت كثير مستعجلة إني أعطيها اهتمامًا بأمور أكبر من عمرها. والحمد لله رب العالمين، الله بالنهاية توّج كل اهتمامي فيها وكل تعبي عليها بأحلى صورة." 

طفلة تحب المدرسة وتعرف كيف تحب الآخرين 

كانت وفاء تحب المدرسة بشكل كبير، وكانت علاقتها بالتعلم تتجاوز الواجبات والامتحانات. تقول والدتها إنها كانت تضع الدراسة في مقدمة اهتماماتها، حتى خلال الإجازة الصيفية. 

وتروي وفاء ما كانت تعرف الإجازة تقريبًا. كانت طول الوقت بالدراسة والعلم. حتى في الإجازة الصيفية كنت أسجلها في مركز أو مدرسة عشان تتعلم. ومع بداية العام الدراسي اشتريت لها الشنطة والمطارة والقرطاسية، وحضرت لها شنطتها وزيها، وكل تفاصيل المدرسة." 

وقبل استهدافها بيومها الأخير، كانت وفاء قد أدت امتحان اللغة الإنجليزية، وكانت والدتها تدرسها وتتابع معها. 

وتفيد: "كان عندها امتحان إنجليزي، وكنت أدرسها في يومها، وراحت وقدمت الاختبار. كانت مجتهدة ومتفوقة، وكانت تحب المدرسة وتعشق صاحباتها." 

لم تكن وفاء تحب العلم فقط، بل كانت تمتلك قدرة لافتة على التواصل مع من حولها، حتى إن والدتها كانت ترى فيها صديقة حقيقية لها. 

وتوضح: "كانت الصديقة والأنيسة، كانت تفهمني، وكانت حنونة عليّ كثير، وكانت تفهمني بطريقة غريبةـ أحيانًا كانت أشطر مني في الدنيا، تلاحظ أشياء أنا ما تخطر على بالي، وكانت هي تعلمني إياها وتفهمني عليها." 

رغم صغر سنها، كانت وفاء تعرف كيف تتعامل مع الآخرين، وتمنح كل شخص مكانته في حياتها، كما تصفها والدتها. 

وتؤكد بان وفاء كانت هادية، ودودة، تحب صديقاتها، وتقدر الصداقة وتقدر الناس. كانت تعطي كل إنسان قيمته، وكل إنسان في حياتها كان له قيمة ومكانة، وكانت تحب تجبر خاطر الناس. 

وتتابع على صغر سنها، كانت تعطي كل إنسان قيمته، كانت عندما تتحدث مع الكبير تحكي معه بطريقة مختلفة، وكانت صاحباتها مش بس من عمرها؛ كانت تحب تقعد مع الصبايا الأكبر منها، وحتى مع طالبات الجامعة كانت تتعامل معهم كأنهم صاحباتها." 

وكانت وفاء ترى في الحياة مساحة للحلم، رغم الحرب التي أحاطت بطفولتها فتؤكد والدتها بان أحلامها كانت أحلام طفلة؛ إنها تتعلم، وتلعب، وتنبسط، وتكبر كانت تحب الحياة كثير، وكانت تعشق المدرسة وتعشق صاحباتها 

وفاء عكيلة هادئة، ودودة، مضحكة 

ومن بين الذكريات التي بقيت في قلب الأم، لحظة كانت تدرّب فيها ابنتها على التعريف بنفسها باللغة الإنجليزية 

فتروي لنا موقف جمع بينهم مرة كنت أدرسها إنجليزي، وقلت لها يلا عرّفي عن حالك بالإنجليزي فقالت أنا وفاء عكيلة، عمري ثماني سنوات، عندي أخ وأخت، وعندي أربع صديقات، وأنا هادئة وودودة ومضحكة. 

وتصمت الأم عند هذه الذكرى، قبل أن تستكمل حديثها عن طفلة كانت ترى العالم ببراءة، وتحاول أن تعيش طفولتها رغم كل ما يحيط بها 

طفولة تحاول الأم أن تنقذها من الحرب لم تكن الأم غافلة عن واقع الأطفال في غزة، وكانت تدرك أن الحرب سرقت الكثير من تفاصيل الحياة الطبيعية من أطفال القطاع. 

أطفال غزة فقدوا معاني الحياة الحقيقية. وكل شيء نحاول نعيشهم إياه، نكابد عشان نعطيهم كل مشاعر الحياة نحاول نعطيهم، ولو على قدر ضئيل، من معاني الحياة والطفولة. 

وتضيف كنت أحاول أعيش أن ووفاء كل تفاصيل طفولتها، في التعليم، واللعب، والدراسة، وفي كل شيء. كنت أحاول أعطيها فرصة إنها تعيش مثل أي طفلة في العالم. 

لكن تلك المحاولات توقفت في لحظة واحدة، عندما تحولت عودة وفاء من المدرسة إلى نهاية لحياتها. 

في أروقة مدرسة HDF، بقيت صورة وفاء عكيلة معلقة، بينما غاب جسدها الصغير عن مقعده في الصف. طفلة في التاسعة، كانت تستعد لعام دراسي جديد، وتحلم بأن تكبر، وتتعلم، وتعيش، وتبقى قريبة من صديقاتها.