حذر الخبير في شؤون التعليم الدكتور محمد الحمضيات من التداعيات الكارثية لاستمرار انقطاع طلبة قطاع غزة عن التعليم، مؤكدا أن الأزمة التعليمية تجاوزت مجرد تدني مستوى الطلبة، إلى انهيار كامل في المنظومة التعليمية، نتيجة تراكم الأزمات التي مر بها القطاع، بدءا من جائحة كورونا وصولا إلى الحرب المستمرة.
وقال الحمضيات، في حديث لـ"إذاعة صوت القدس" تابعتها وكالة شمس نيوز: "إن انقطاع الطلاب عن التعليم لمدة ثلاث سنوات متواصلة أخرجهم من البيئة التعليمية، وأحدث فجوة كبيرة في مسيرتهم الدراسية، موضحا أن تراكم الأزمات دفع الطالب بعيدا عن المدرسة، في وقت باتت فيه مسؤوليات الحياة اليومية والظروف الصعبة تستحوذ على اهتمامه وتركيزه.
وأضاف أن المحاولات الحالية لإنعاش العملية التعليمية لا تزال ضعيفة، ولا تتناسب مع حجم الأزمة واحتياجات الطلبة، مشيرا إلى أن الالتحاق بالمدارس الخاصة أو مراكز التقوية يمثل عبئا ماليا كبيرا على الأسر في ظل الظروف الاقتصادية القاسية التي يعيشها سكان القطاع.
وأوضح أن هذه الخيارات التعليمية لا يستفيد منها سوى ما بين 10 و20 بالمئة من أصل نحو نصف مليون طالب، ما يعني أن الغالبية العظمى لا تزال خارج نطاق الاستفادة من أي بدائل تعليمية منتظمة.
تدمير المدارس يفاقم الأزمة
وأشار الخبير في شؤون التعليم إلى أن تدمير المدارس وتحويل ما تبقى منها إلى مراكز إيواء للنازحين أضر بشكل بالغ بالعملية التعليمية، مؤكدا أن التعليم داخل الخيام لا يوفر البيئة المناسبة للتعلم، ولا يتيح للطالب الظروف التي يحتاجها لاستعادة قدرته على التركيز والتحصيل الدراسي.
واقترح تجميع النازحين في عدد محدد من المدارس، وتخصيص المدارس الأخرى لاستئناف التعليم، على أن تلتزم الجهات الحكومية والمؤسسات الدولية، وفي مقدمتها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا"، بتوفير بدائل إيواء صالحة وكريمة قبل إخلاء أي مدرسة.
وشدد على أن أي معالجة لأزمة التعليم يجب أن تراعي احتياجات النازحين والطلبة معا، وألا تؤدي إلى نقل الأزمة من قطاع إلى آخر، بل أن تقوم على توفير حلول إيواء مناسبة تتيح إعادة فتح المدارس واستئناف العملية التعليمية بصورة آمنة ومنظمة.
المعلم والكتاب والطالب أركان العملية التعليمية
وأكد الحمضيات أن نجاح البيئة التعليمية يتطلب تكامل ثلاثة أركان أساسية، هي المعلم والكتاب والطالب، إلى جانب توفير بيئة ملائمة للمعلمين والطلبة على حد سواء، مبينا أن غياب أي من هذه العناصر ينعكس سلبا على جودة التعليم وقدرة الطالب على الاستيعاب.
وفيما يتعلق بالاعتماد على التعليم عبر الإنترنت، رأى أن هذا الخيار غير عملي في الوضع الحالي، ولا يحقق جدوى حقيقية في ظل انقطاع الاتصالات وصعوبة الوصول إلى خدمات الإنترنت، الأمر الذي يحول دون استفادة أعداد كبيرة من الطلبة من التعليم الإلكتروني.
ودعا إلى إعادة النظر في طبيعة المناهج المقدمة للطلبة، والتركيز على المفاهيم الأساسية في كل مادة دراسية، بدلا من محاولة استكمال المناهج الطويلة، بما يساعد على معالجة الفاقد التعليمي واستعادة الحد الأدنى من المهارات والمعارف اللازمة لمواصلة التعليم.
نظام الفترات لاستيعاب الطلبة
واقترح الخبير التربوي تطبيق نظام الفترات الدراسية، بواقع أربع إلى خمس حصص يوميا، بما يتيح استيعاب أعداد أكبر من الطلبة في المدارس المتاحة، موضحا أن الفترة الصباحية يمكن تخصيصها لطلاب المرحلة الإعدادية، فيما تخصص الفترة الثانية لطلاب المرحلة الابتدائية.
وأكد أن هذا النظام قد يشكل أحد الحلول العملية للتعامل مع نقص المباني المدرسية، وتوزيع الطلبة على الفترات بما يضمن استئناف التعليم لأكبر عدد ممكن منهم، مع مراعاة توفير مستلزمات العملية التعليمية والبيئة المناسبة لكل مرحلة.
التعليم أولوية لا تقل عن الإغاثة
وشدد الحمضيات على أنه لا توجد ذرائع لمنع التعليم سوى المخاطر الأمنية المباشرة، مؤكدا أن الاهتمام بالتعليم لا يقل أهمية عن توفير التغذية والإغاثة، وأن استمرار حرمان الطلبة من حقهم في التعلم يفاقم آثار الأزمة الإنسانية ويهدد مستقبل جيل كامل.
وقال إن بناء الإنسان ومستقبل المجتمع يمران عبر المدارس، محذرا من أن تدمير التعليم يعني بالضرورة تدمير الدولة والإنسان، ما يستدعي وضع إنقاذ المنظومة التعليمية في صدارة الأولويات، والعمل على توفير حلول عاجلة ومستدامة تضمن عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة.
