بينما تتركّز الأنظار على قطاع غزة، حيث تخوض إسرائيل حرباً ذات طابع تدميري واقتلاعي واسع، تشهد الضفة الغربية عملية «إبادية» لا تقلّ خطورة عن تلك الحرب، وإن بدت أدواتها مختلفة. وإذ تشتغل إسرائيل هنا على تكريس الواقع الاستيطاني وتوسيعه في مقابل تقليص الوجود الفلسطيني، فهي تعمل أيضاً على منع أيّ ترتيب أمني أو سياسي يمكن أن يمهّد لمنح الفلسطينيين لاحقاً كياناً أو حقّاً أو سيادة. بتعبير آخر، باتت الأسرلة هي الهدف المعلن للدولة العبرية في تعاطيها مع الأرض المحتلّة.
حتى سنوات قليلة مضت، تركّزت المقاربة الإسرائيلية تجاه الضفة على ما عُرف بـ«إدارة الصراع»، باعتبار أن هذا الأخير غير قابل للحلّ، وأن الفجوة بين الحدّ الأدنى المطلوب فلسطينياً، والحدّ الأقصى المقبول إسرائيلياً، أوسع من أن تسمح بأيّ تسوية. ولذا، كان المطلوب فحسب منع الانفجار، وإبقاء الوضع تحت السيطرة، مع الحفاظ على وجود السلطة الفلسطينية والتنسيق الأمني معها، وترك باب التسوية مفتوحاً، إنما نظرياً فقط. لكن هذا التصوّر أُصيب بانتكاسة عام 2022، وذلك لدى تشكيل حكومة تتصدّرها قوى تعدّ الضفة -على خلفية تلمودية- «أرضاً إسرائيلية تاريخية»، على الدولة العبرية استعادتها، وترسيخ سيطرتها عليها. وجاءت أحداث السابع من أكتوبر 2023، لتمنح تلك القوى فرصة لترجمة توجّهاتها بشكل فظّ ومتسارع، والانتقال فوراً من «إدارة الصراع» إلى حسمه.
ومنذ اليوم الأول لتشكيل الحكومة الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، شرعت القوى التي استحوذت على القرار في الضفة في تنفيذ مخطّطاتها المشار إليها؛ من ترسيخ السيادة الإسرائيلية على الأرض المحتلّة عام 1967 سياسياً وإدارياً وقانونياً، مروراً بتقليص السيطرة الإدارية الفلسطينية والتضييق على السلطة ومؤسّساتها، وليس انتهاءً بتسريع تشريع البؤر الاستيطانية العشوائية، ودفعها إلى حدود غير مسبوقة. ووفقاً لرؤية هذه القوى، لم يعُد ضرورياً إلغاء «اتفاق أوسلو» بقرار رسمي؛ بل بات يمكن تفكيك الترتيب السياسي والأمني الذي أرساه الاتفاق تدريجياً، وذلك عبر تغيير الصلاحيات، وتبديل الوقائع على الأرض.
وفي هذا السياق، سُجّلت، في السنوات الأربع الماضية، سلسلة إجراءات شملت نقل صلاحيات الإنفاذ والرقابة إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، وافتتاح مشاريع بنية تحتية، وإنشاء بؤر استيطانية، إلى جانب إجراءات تمسّ صلاحيات التخطيط والبناء في عموم الأراضي المحتلّة في الضفة. والجدير ذكره هنا، أن «اتفاقيات أوسلو» أرست نظاماً إدارياً وأمنياً وجغرافياً يقسم الضفة إلى مناطق ثلاث: «أ» حيث السيطرة فلسطينية، و«ب» حيث السيطرة مشتركة، و«ج» حيث السيطرة إسرائيلية. وإذا ما انتقلت الصلاحيات من المؤسسات الفلسطينية إلى نظيرتها الإسرائيلية، أو توسّع الاستيطان داخل المجال الفلسطيني، أو رُبطت المستوطنات بشبكة البنية التحتية الإسرائيلية، يتغيّر هذا النظام من دون الحاجة إلى إعلان إلغائه.
وتكشف الأرقام حجم ذلك التغيّر؛ ففي آذار الماضي، أُقرّت خطط لإنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية وغور الأردن، ليرتفع عدد المواقع التي مرّرتها الحكومة الحالية إلى أكثر من مئة. وفي الوقت نفسه، تحدّثت تقارير عن توسّع البؤر الاستيطانية، وعن ترتيبات تزيد الضغط على التجمّعات الفلسطينية، وتتسبّب في بعض الحالات في رحيل سكانها. وهكذا، يمضي ما يمكن تسميته «الضمّ الزاحف» -وهو ما لا يحتاج إلى قرار أو إعلان ولا يستتبع تداعيات خارجية-، والذي يبرز كرأس حربة فيه وزير المالية ووزير الأمن في الضفة بتسلئيل سموتريتش، «تصحيحاً» لما يصفه الأخير بأنه «خطأ» استمرّ 30 عاماً، وتمهيداً لـ«ثورة استيطانية» هدفها منع قيام دولة فلسطينية.
وفي خضمّ هذه «الثورة»، صعّد المستوطنون، في الشهرَين الأخيرَين، تجاوزاتهم ضدّ الفلسطينيين إلى حدّ كبير. ورغم أن هذه التجاوزات قائمة ومتواصلة منذ أربع سنوات، أي منذ صعود اليمين المتطرّف إلى مراكز القرار، فإن الجديد الآن هو الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي، الذي بات على بعد أسابيع، ويدفع صاحب القرار إلى تسريع العملية الاستيطانية في الضفة. كما أن التسابق اليميني في هذا الاستحقاق، يستدعي من الائتلاف تعظيم التسهيلات الممنوحة للشريحة الأكثر تطرّفاً من المستوطنين، التي ترى في إيذاء الفلسطينيين جسدياً ومادياً، مهمة مقدّسة توازي في أهميتها استرداد الأرض.
المصدر: الأخبار اللبنانية
