غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

تفاصيل جديدة عن "عمارة السعادة".. ما قصة صوت طقطقة الجدران ومشهد مرعب أسفل الركام! 

إنهيار عمارة السعادة
شمس نيوز - مطر الزق

عندما وصل مؤشر عقارب الساعة إلى الثانية والنصف فجر الأربعاء، بدأت الحجارة تتساقط كالمطر من عمارة السعادة، وفي تلك اللحظات المرعبة والمأساة الحقيقية، قفز عمرو عدس (37 عامًا) فوق طفلته الصغيرة منة الله وزوجته، محاولًا حمايتهما من الحجارة المتساقطة، فيما حال انهيار الجدران وسقوط أعمدة الباطون دون الوصول إلى أطفاله دينا وبلال وسوما وملك. 

مشهد انهيار الحجارة وأعمدة الباطون استمر لأكثر من 10 دقائق قبل الانهيار الكامل، وفق ما يرويه عمرو في تلك اللحظة، لم يدرك عمرو حقيقة الكارثة التي حلت به وبعائلته أو سبب ما يجري من انهيارات، قائلًا: "الحجارة كانت تسقط بشكل مش طبيعي، وصوتها كان قويًا ومخيفًا ومرعبًا، لم أستطع أن أتحرك أو أن أركض هاربًا مما يحدث". 

مشهد مرعب تحت الركام 

"بابا، أنا خايفة، تعال عندي، بابا، شيل عني الحجارة".. بهذه الكلمات صرخت الطفلة سوما مستنجدةً بوالدها، الذي لم يتمكن من التحرك أو الصراخ، قائلًا: "كنت مختنقًا من شدة الغبار ولا أستطيع التحرك، حتى إصبعي لم أتمكن من تحريكه، فقد سقط عمود باطون على قدمي". 

في تلك اللحظة، عمَّ ظلام دامس، وهدأت الأصوات التي بُحَّت طالبةً النجدة، وفجأة اخترق شعاع كشاف أعمدة الباطون وشبكة الحديد الصلب والحجارة المنهارة، ليعلن عن وصول فرق الإنقاذ، ويفتح معها نافذة أمل لاستمرار الحياة. 

"في حدا هون؟!" 

وصل شعاع الضوء إلى وجه عمرو تبعه صوت يخترق الجدران ويصدح بكل قوة في المكان: "في حدا هون، حدا عايش؟"، هنا تمسّك عمرو بحبال الأمل، وتحمل جميع أوجاعه وآلامه، صارخًا بصوت قوي: "أنا هنا!". 

لم يتمكن عمرو عدس من الصراخ أكثر أو الإجابة على صوت المنقذين، واستمر على حاله نحو ربع ساعة. في تلك الدقائق، استعاد عمرو شريط ذاكرته، ويقول: "كنت بموت على صراخ بنتي سوما، كأن السماء أطبقت على صدورنا، لم أتخيل أن يحدث لي هذا المشهد المرعب". 

بصعوبة وبطولة منقطعة النظير، تمكن الناس من إزاحة الحجارة وأعمدة الباطون حتى وصلوا إلى عمرو وأسرته، وهناك اكتشفوا استشهاد اثنين من أبنائه: "دينا، 13 عامًا، وبلال، 6 أعوام"، بينما أصيب هو وزوجته وأطفاله سوما وملك ومنة الله بجروح في جميع أنحاء أجسادهم. يضاف إلى ذلك أن زوجته وابنته الصغيرة منة الله أصيبتا بكسور في الحوض، فيما كانت إصابة ملك حرجة جدًا. 

يدور عمرو بعينيه صوب ما تبقى من العمارة المنهارة، باحثًا عن شيء من أغراضه، ويقول لمراسلنا: "أصعب إشي أعيشه في حياتي هذه اللحظات، لم يرَ جسدي الراحة منذ تلك اللحظة، ولم يغمض لي جفن من حالة الرعب التي تسيطر عليَّ". 

أول من سكن عمارة السعادة؟

وفي الزاوية المقابلة للعمارة المنهارة، يجلس تامر دبابش أمام خيمته، مصدومًا من هول المشهد ومما رآه، قائلًا: "أنا من سكان حي الشيخ رضوان، ونزحت هنا في هذه الخيمة، لا أبعد سوى أمتار قليلة عن عمارة السعادة التي انهارت فوق ساكنيها". 

وعن روايته، يصف دبابش المشهد بالمرعب، لافتًا إلى أن صوت انهيار العمارة كان صادمًا ومفزعًا، ولم يتخيل في يوم من الأيام أن يكون شاهدًا على كارثة ومأساة بهذا الحجم. 

يشير دبابش بإصبعه صوب العمارة المنهارة، ويقول: "العمارة مكونة من 7 طبقات، ويعيش فيها عائلات عدة نازحة من حي الزيتون. عشت في الخيمة، وكنت أنظر برعب للعمارة خشية على أبنائي قبل أن يعيش فيها النازحون". 

في بداية شهر يناير 2026، وعندما اشتدت الحرب في حي الزيتون ووصلت قوات الاحتلال إلى مناطق قريبة من شارع صلاح الدين، وتحت وطأة القصف والإبادة، غادر الناس المنطقة ولجؤوا إلى عمارة السعادة، وفق النازح دبابش. 

ويشير دبابش إلى أن أول من سكن في عمارة السعادة هو النازح خالد عدس، شقيق عمرو، الذي لم يجد مأوى له ولأسرته، ثم توالت العائلات واحدة تلو الأخرى، وأغلبهم أقرباء وأنساب من عائلات مختلفة. 

ما الذي تسبب في انهيار العمارة؟

ويبين دبابش أن الدفاع المدني وبلدية غزة نبهتا النازحين إلى خطورة السكن في هذه العمارة، حيث قال لمراسلنا: "إن الدفاع المدني والبلدية أبلغتا النازحين أن أساسات العمارة منهارة ومدمرة منذ بداية الحرب في أكتوبر 2023، وتقف ثابتة على بعض الجدران والأعمدة المنهارة". 

ويلفت إلى أن حركة الناس في العمارة تسببت في سقوط بعض الحجارة التي كانت معلقة في السماء، وزاد تساقط الحجارة بعدما زادت حركة الأطفال، قائلًا: "يصعب السيطرة على الأطفال، فهم يلعبون على الجدران ويُزيلون بعض الحجارة والبلاط، ورغم تحذير آبائهم، إلا أن الأطفال لم يستقروا". 

وقبل أيام قليلة من انهيار العمارة، يوضح دبابش أن الدفاع المدني أبلغ العائلات بخطورة المكان وضرورة الابتعاد عنه، إلا أن الناس لم تستجب، ليس تمسكًا بالمكان أو حبًا فيه، ولكن لعدم توفر مأوى لهم ولأسرهم. 

واستجاب نحو 3% من النازحين في العمارة وغادروها، وقال: "قبل سويعات قليلة فقط، تساقطت بعض الحجارة، وكنت أعتقد، كغيري من الناس، أن الأمر كالعادة، بعض الجدران المعلقة سقطت بفعل الرياح أو الحركة الزائدة". 

ويكمل دبابش حديثه بمرارة تعتصر قلبه: "استمر سقوط الحجارة دقائق، ثم هدأت وذهبنا إلى النوم، وفجأة، نحو الساعة الثانية والنصف، انهارت العمارة فوق ساكنيها، لتعلن عن كارثة ومأساة حقيقية بحق النازحين". 

"وين نروح؟"

وعلى بعد أمتار قليلة من آلية إزالة ركام عمارة السعادة، يقف خالد عوض عدس، واضعًا يده على خده، ويقول: "بعد أن اجتاح الاحتلال حي الزيتون عدة مرات في بداية العام 2026، ضاق بي السبيل، ولجأت إلى هذه العمارة، وكان برفقتي عدة عائلات من أقاربي". 

ويضيف عدس: "بعد أن جلسنا في العمارة، تبين أنها آيلة للسقوط ولا تصلح أبدًا للسكن، ومنذ تلك اللحظة حاولنا وبحثنا عن مأوى آخر، سواء شققًا سكنية أو خيامًا، لكن لم نجد، ومضى علينا نحو عام كامل في العمارة، لذلك اطمأنت قلوبنا قليلًا فقط بسبب تحملها الأمطار والرياح بداية العام الجاري". 

ويستعيد خالد شريط الذاكرة للوراء قليلًا، تحديدًا قبل أيام من انهيار العمارة، قائلًا: "قبل أربعة أيام، سمعت صوت طقطقة غريبة في العمارة، وفورًا جمعت السكان وأبلغتهم بما سمعته، وأخبرتهم بضرورة البحث عن مكان آخر، لكنهم أبلغوني جميعهم بكلمة واحدة: "وين نروح؟"". 

وتأثر خالد كثيرًا بالشهيد محمود سعدة، الذي كان حزينًا جدًا لأنه يُعيل 7 بنات وولدًا وحيدًا، وأبلغه في حينه: "أنا سأبقى في العمارة، وما يكتبه الله سنشهده، لا يوجد لنا مأوى ولا مكان يسترنا غير هذه العمارة". 

طقطقة الجدران

وفي ليلة المأساة، يقول خالد عدس: "كنت صاحيًا، وفجأة سمعت صوت طقطقة كالذي سمعته سابقًا، وشاهدت بعض الحجارة تتساقط، وهنا تملكني الخوف والصدمة، ولم أعد أستطيع فعل شيء، وفي ثوانٍ قليلة انهارت العمارة كلها فوق الناس". 

ويعيش خالد في الطابق الرابع من الجهة الجنوبية للعمارة، وعندما انهارت، بقي له أمل قليل في الحياة والنجاة عندما وجد فتحة صغيرة بين الجدران، جاهد وقاتل حتى تمكن من الخروج بصعوبة، مع تدخل الناس. 

أصيبت زوجته بكسور في رأسها وجروح في جميع أنحاء جسدها، أما طفلته فقد أصيبت بجروح بالغة، وما زالت تتلقى العلاج في مستشفى الشفاء في غزة. 

ويقر خالد بأن سقوط الحجارة والأعمدة المعلقة في العمارة بدأ قبل 4 أو 5 أشهر، وأن الدفاع المدني حذره أكثر من مرة من خطورة العمارة؛ لكن إجابته وجميع السكان كانت واضحة: "هتولنا بديل، فش إلنا مأوى آخر، ولا نستطيع دفع الإيجارات". 

حصيلة شهداء وجرحى انهيار عمارة السعادة 

وفي إحصائية نهائية نشرها الدفاع المدني في قطاع غزة عن انهيار عمارة السعادة فقد انتشلت طواقم الدفاع المدني جثامين 21 شخصا من تحت ركام العمارة، وتعاملت مع 45 مصابا نقلوا إلى مستشفيات مدينة غزة و35 آخرين تم التعامل معهم وإجلائهم على وجه السرعة من الخيام المجاورة للعمارة المدمرة. 

وحذر الدفاع المدني من تكرار المأساة في مختلف قطاع غزة، لا سيما ما قرب فصل الشتاء، مشيرا إلى أن مئات المنازل الآيلة للسقوط ما زال يعيش بداخلها النازحين لعدم توفر مأوي لهم.