في كل دقيقة تقريباً، ينتفض جسد الطفلة "مايا عودة" بنوبة تشنج جديدة، فيما تبقى عينا والدتها معلقتين بها، تراقبان جسد ابنتها الصغيرة وهي تدخل في نوبة تلو أخرى، دون أن تملك الأم سوى الانتظار.
تبلغ "مايا" 13 عاماً، لكن المرض الذي رافقها منذ ولادتها أخذ منها شيئاً فشيئاً تفاصيل طفولتها؛ فقدت قدرتها على الكلام، ولم تعد قادرة على ابتلاع الطعام بنفسها، وأصبح جسدها أسيراً لنوبات صرع متكررة لم تعد الأدوية قادرة على السيطرة عليها.
على سريرها في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، تبدو الطفلة منهكة بعد رحلة طويلة مع الصرع المستعصي المقاوم للأدوية، فيما تحاول والدتها أن تبقى إلى جوارها، خشية أن تبدأ نوبة جديدة دون أن تجد من يساعدها.
تقول والدتها: "لم تكن نوبات مايا بهذه القسوة دائماً، لكنها مع مرور الوقت ازدادت شدة وتقارباً، حتى وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها التشنجات تتكرر بمعدل نوبة كل دقيقة تقريباً، وفي إحدى أشد مراحل تدهور حالتها، اضطرت إلى دخول قسم العناية المركزة، حيث أمضت 13 يوماً متواصلاً، في محاولة للسيطرة على ما يصفه الأطباء بالحالة الصرعية المعندة".
وهذا المرض هو وضع صحي حرج ومهدد للحياة، يحدث عندما تستمر النوبات الصرعية (سواء كانت تشنجات ظاهرة أو نشاطاً كهربائياً في الدماغ) دون توقف لمدة تتجاوز 30 دقيقة، أو تتكرر النوبات دون أن يستعيد المريض وعيه بينها، مع فشل العلاجات الإسعافية الأولية والثانوية المعتادة في إيقافها، وفي هذه الحالة، تفقد آليات الدماغ الطبيعية قدرتها على إنهاء النوبة تلقائياً، مما يتطلب نقل المريض فوراً إلى وحدة العناية المركزة وإدخاله في غيبوبة طبية مستحثة باستخدام أدوية التخدير الوريدي لحماية الخلايا العصبية من التلف الدائم.
وتضيف: "خلال تلك الأيام، لم يكن جسد الطفلة يملك فرصة كافية لالتقاط أنفاسه بين نوبة وأخرى، بينما احتاج الأطباء إلى استخدام عدة أصناف من مضادات التشنج والمهدئات في محاولة لإيقاف النوبات".
وتتناول "مايا" ستة أصناف من الأدوية المضادة للتشنجات والمهدئات، لكن النوبات ما زالت تفرض نفسها على جسدها، ومع استمرار الحالة، بدأت الأسرة تلاحظ تغيراً آخر أكثر قسوة؛ فالطفلة التي كانت تتحدث فقدت قدرتها على الكلام تدريجياً.
ولم يعد الأمر متعلقاً بصعوبة التعبير فقط، بل أصبحت قدرتها على تناول الطعام نفسها مهددة، ققد فقدت "مايا" القدرة على البلع الإرادي، واضطر الأطباء إلى تركيب أنبوب تغذية أنفي - معدي، لتتلقى عبره وجبتين من الحليب يومياً، عند الساعة الثانية عشرة ظهراً والثانية عشرة ليلاً.
وجسدها الذي أنهكته النوبات والعلاج وقلة الغذاء بدأ يدفع الثمن أيضاً، إذ انخفض مستوى الهيموغلوبين لديها إلى 8، بينما تحذر والدتها من استمرار تدهور حالتها في ظل محدودية الإمكانيات الطبية المتاحة داخل القطاع.
ولا يتوقف خوف "أم مايا" عند فقدان ابنتها القدرة على الكلام أو تناول الطعام؛ فالأطباء كذلك يحذرون من خطورة استمرار النوبات المتقاربة، ومن احتمال حدوث أضرار عصبية دائمة، وصولاً إلى خطر "الموت الدماغي" في حال استمرار الحالة دون السيطرة عليها.
ولا تقتصر المعاناة عند هذا الحد، بل أصبح الوصول إلى العلاج نفسه جزءاً من معاناة الطفلة "مايا"، حيث تعيش الأسرة في منطقة النزوح قرب شاطئ البحر في مواصي خان يونس، داخل بيئة تفتقر إلى الطرق المعبدة وتزداد فيها صعوبة الحركة والوصول إلى الخدمات الطبية.
وعندما تنتكس "مايا"، لا تبدأ رحلة العلاج عند باب المستشفى، وإنما قبل ذلك بساعات، فوالدتها تبحث عن وسيلة نقل، وتحاول الوصول إلى سيارة إسعاف، لكن صعوبة الوصول إلى منطقة الخيام تجعل الانتظار طويلاً، وفي بعض المرات تضطر إلى الانتظار أكثر من ساعتين حتى تجد وسيلة تقل طفلتها إلى مجمع ناصر الطبي، وهو وقت تقضيه "أم مايا" مذعورة وهي تحاول إبقاء ابنتها آمنة إلى أن تصل إلى مكان يستطيع التعامل مع حالتها.
لمتابعة آخر المستجدات الميدانية والسياسية للحرب على غزة اشترك بقناة شمس نيوز على منصة تيلجرام
حاولت الأم التوجه إلى مرافق صحية أقرب إلى مكان النزوح، ومن بينها المستشفى الميداني الكويتي، لكن الحالة التي تعاني منها الطقلة تحتاج إلى تخصصات وإمكانيات غير متوفرة في تلك النقاط الطبية، خصوصاً في مجال أعصاب الأطفال والرعاية الإنعاشية المتقدمة، لذلك، يعود الطريق في كل مرة إلى مجمع ناصر الطبي، رغم بعد المسافة وصعوبة الوصول.
وفي المستشفى، تبدأ معركة أخرى، وهي معركة توفير الدواء، حيث تبحث الأم عن "كيبرا" وهو أحد الأدوية التي تستخدم في علاج نوبات الصرع، لكن نقصه في المشافي نظراً للحصار الخانق الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر 2023م، وارتفاع أسعاره في الصيدليات يضاعفان معاناة أسرة نازحة بلا دخل ثابت.
ولا تقتصر احتياجات الطفلة "مايا" على الدواء، فهي كذلك تحتاج إلى الحفاضات الطبية والحليب ومستلزمات أنبوب التغذية، بينما تتكرر النوبات رغم تجربتها عدة أدوية مضادة للتشنجات، وتحتاج حالتها، وفق والدتها، إلى فحوصات متخصصة وتقييم عصبي متقدم، إضافة إلى إمكانات علاجية غير متوفرة بشكل كافٍ داخل قطاع غزة.
وتناشد الأم بإجلاء ابنتها للعلاج في مستشفى متخصص خارج قطاع غزة، أملاً في تشخيص حالتها ووضع خطة علاج تحد من النوبات وتحميها من مضاعفات قد تهدد حياتها بالكامل.
