غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

من طلب بسيط إلى فاجعة.. إسلام نامت عند أهلها ولم تستيقظ 

عمارة السعادة.png
شمس نيوز - نضال أبو شربي 

في ليلة بدت عادية، طلبت إسلام عبد الله العجلة من زوجها أن يسمح لها بالمبيت لدى أهلها، رغبةً في قضاء ليلة إلى جانب عائلتها والمشاركة في الاحتفال بعيد ميلاد ابنة شقيقتها؛ لم تكن إسلام تعلم أن طلبها البسيط سيقودها إلى ليلتها الأخيرة، وأنها لن تعود إلى منزلها، وأن عائلتها ستقضي الساعات التالية في البحث عنها وعن أطفالها تحت أنقاض مبنى السعادة في مدينة غزة. 

كانت إسلام قد اعتادت زيارة أهلها والعودة إلى منزل زوجها، لكن هذه المرة أصرت على البقاء، بالتزامن مع مناسبة عائلية كانت تنتظرها، وبعد ساعات قليلة، تحولت الزيارة إلى مأساة، حين انهار المبنى المتضرر جراء قصف سابق، بينما كان أفراد العائلة يقيمون فيه بعد نزوحهم إليه. 

تروي أم إياد عزام، حماة إسلام، تفاصيل تلك الليلة بصوت يغلب عليه الحزن، مستذكرةً آخر حديث دار بينهما، واللحظات التي سبقت انهيار المبنى، ثم الساعات الطويلة التي عاشتها العائلة وهي تنتظر معرفة مصير أبنائها وأحفادها. 

وتقول أم إياد إن إسلام كانت ترغب في المبيت لدى أهلها النازحين في مبنى السعادة، بمناسبة عيد ميلاد ابنة شقيقتها. وكانت قد تحدثت مع زوجها بشأن ذلك، قائلةً إنها تريد أن تبقى تلك الليلة إلى جانب عائلتها. 

وتضيف أن العائلة كانت تدرك أن المبنى متضرر، وأنه قد ينهار في أي لحظة، لكنها لم تتوقع أن يحدث الانهيار بهذه السرعة، خصوصًا في ظل عدم وجود مكان آخر يمكن أن تلجأ إليه الأسرة. 

وداع لم يكن أحد يتوقع أنه الأخير 

تتذكر أم إياد لحظات وداع إسلام لأطفالها قبل ذهابها إلى منزل أهلها، قائلةً إن الأطفال كانوا متعلقين بها، وكانوا يترددون في المغادرة ويعودون إليها أكثر من مرة قبل أن يخرجوا، وكأنهم لم يكونوا يريدون الابتعاد عنها. 

وتشير أم إياد إلى أن إسلام كانت تصر على زوجها أن يسمح لها بالمبيت لدى أهلها بسبب المناسبة العائلية، قائلةً: "كنا نعرف أن العمارة اللي نزح إلها أهل إسلام مش آمنة، لكن ما كنا متوقعين يصير اللي صار." 

لم تكن تلك الليلة تحمل في بدايتها ما يوحي بأنها ستكون الأخيرة في حياة إسلام. كانت مجرد زيارة عائلية، واحتفال صغير أرادت أن تشارك فيه أهلها، قبل أن ينقلب كل شيء بعد منتصف الليل. 

بعد منتصف الليل.. تغيّر كل شيء 

تروي أم إياد اللحظات الأولى للانهيار، وتقول إنها كانت تجري اتصالًا هاتفيًا مع إسلام للاطمئنان عليها. 

وتضيف: "كانت المحادثة جميلة جدًا، وكانت إسلام وأطفالها مبسوطين لقضاء وقت ممتع مع عائلتها"، لكن نبرة صوت إسلام سرعان ما تغيرت، وبدأت أم إياد تسمع عبر الهاتف صراخ النساء والأطفال. 

تقول: "بدا صوت إسلام يتغير، وبدأت أسمع عبر الهاتف صراخ النساء والأطفال. سألتها: شو في؟ فردت عليّ وهي متوترة: الحجارة بتسقط علينا، والمبنى بدأ يهتز، وإحنا خايفين كثير." 

وتنقل أم إياد ما سمعته في تلك اللحظات، مشيرةً إلى أن إحدى بنات إسلام كانت موجودة إلى جانب والدتها، وأخبرتها أثناء الانهيار بأن الأعمدة بدأت بالسقوط، قبل أن يتحول المشهد إلى صراخ ومحاولات للاستغاثة والبحث عن أفراد العائلة. 

وتضيف أن أجزاء من المبنى انهارت على السكان، فيما سقطت ثلاث فتيات من شرفة المبنى إلى الشارع. وأصيبت اثنتان منهن بجروح، بينما احتاجت أخرى إلى تدخل طبي عاجل. 

أما من كانوا داخل المبنى، فقد حوصروا تحت الأنقاض، وبدأت أصوات بعضهم تصل إلى ذويهم من بين الركام. 

وتقول أم إياد إن أصعب اللحظات كانت عندما بدأت تسمع أصوات أفراد العائلة وهم ينادون بعضهم بعضًا، فيما لم يكن أحد يعرف من تمكن من النجاة ومن بقي تحت الأنقاض. 

وتروي أن إحدى حفيداتها كانت عالقة تحت الركام، وكانت تنادي جدتها وتطلب منها ألا تتركها، في مشهد ظل عالقًا في ذاكرتها. 

وتقول: "كانت تناديني: يا تاتا، لا تتركيني. كانت خايفة عليّ وأنا خايفة عليها. ظلينا نسمع أصواتهم من تحت الركام، وما كنا عارفين مين رح يطلع ومين لا." 

ساعات تحت الركام 

بعد ساعات من عمليات البحث والإنقاذ، تمكنت فرق الدفاع المدني من إخراج عدد من أفراد العائلة من تحت الأنقاض، بينهم أطفال كانوا على قيد الحياة. 

لكن النجاة لم تكن نهاية المأساة. 

فقدت العائلة إسلام، إلى جانب طفلها الصغير رزق، البالغ من العمر ثلاث سنوات، إضافة إلى أفراد آخرين من العائلة، فيما أصيب آخرون جراء الانهيار. 

وتتحدث أم إياد عن حفيدها رزق بكلمات يغلب عليها الألم، مستذكرةً تفاصيل صغيرة من حياته اليومية، وخصوصًا تعلقه بالعائلة وعادته في العودة إلى المنزل بعد الاستحمام، والبحث عن أفراد أسرته وملاطفتهم. 

وتقول: "رزق كان أصغر واحد عندي وأغلى واحد على قلبي. كان طفلًا شاطرًا وحبوبًا، وكل ما يتحمم ويغسل راسه كان يجي يبوسنا. كان يملأ البيت حركة وحياة." 

ثم تصمت أم إياد للحظات، قبل أن تستعيد أسماء من فقدتهم العائلة في تلك الليلة. 

وتقول إن إسلام رحلت مع طفلها، بينما أصيب آخرون من أفراد الأسرة، مشيرةً إلى أن الفاجعة لم تقتصر على منزل واحد أو أسرة واحدة، بل امتدت إلى عائلة كاملة وجدت نفسها، خلال ساعات قليلة، أمام فقد وإصابات وصدمة لا تزال تعيش آثارها. 

مبنى متضرر.. ولا مكان بديل 

بحسب رواية أم إياد، لم تكن العائلة تقيم في مبنى آمن، لكنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع تضرر المنازل ونقص أماكن الإيواء والخيام، اضطرت الأسرة إلى البحث عن أي مكان يمكن أن يوفر سقفًا فوق رؤوس أفرادها. 

لكن إسلام، بحسب رواية حماتها، لم تكن تشعر بالارتياح تجاه المكان، وكانت تقول إنها لا ترغب في البقاء فيه طويلًا. 

وتتذكر أم إياد أنها كانت تقول لهم إن المكان لا يعجبها وإنها لن تبقى فيه، قبل أن تضيف في إحدى المرات أنها ستغادر عندما تتاح لها فرصة أخرى. 

وتقول أم إياد إن العائلة كانت تبحث باستمرار عن مكان أكثر أمانًا، لكن الخيارات كانت محدودة للغاية. 

وتختصر ذلك بقولها: "والله ما خلّينا مكان إلا ودورنا فيه. دورنا بالأراضي وبالمناطق، وما لقينا مكان آمن يقعدوا فيه. وين بدهم يروحوا؟" 

وتشير أم إياد إلى أن النزوح لم يعد كما كان في بداية الحرب؛ فالعائلات أصبحت أكثر إنهاكًا، والانتقال يحتاج إلى وسيلة نقل ومكان بديل وتكاليف لا تستطيع كثير من الأسر تحملها. 

وتقول إن بعض أفراد العائلة كانوا يفكرون في الانتقال إلى مناطق أخرى، لكن القصف والخوف من الطرقات وعدم وجود مأوى مناسب جعل الخيارات محدودة. 

ناجون يحملون الفقد 

اليوم، لا تقف مأساة عائلة إسلام عند لحظة انهيار المبنى. فالأطفال الذين نجوا من تحت الركام خرجوا بإصابات جسدية وذاكرة مثقلة بساعات عاشوها محاصرين بين الأنقاض، فيما فقدوا والدتهم وشقيقهم الصغير. 

أما الجدة، فتحاول استيعاب كيف تحولت ليلة عائلية كان يفترض أن تكون مناسبة للفرح إلى مأساة فقدت فيها الأسرة أبناءً وأحفادًا، وتركت وراءها ناجين يحملون إصابات وذكريات مؤلمة وأسئلة لا تجد لها إجابات. 

كانت إسلام قد ذهبت إلى منزل أهلها بحثًا عن ليلة بين أفراد عائلتها، ولقضاء وقت في مناسبة سعيدة. لكنها لم تعد إلى منزلها، فقد نامت إسلام عند أهلها، ولم تستيقظ.