غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

الكيان الإسرائيلي الوظيفي يتلاشى

الباحث: فارس رفيق فحماوي
شمس نيوز - بقلم: فارس رفيق فحماوي

بقلم: فارس رفيق فحماوي
باحث في الفكر السياسي الإسلامي المقارن

في أدبيات الفكر السياسي المقارن، هناك قاعدة ذهبية تحكم مصير ما يسمى بـ "الكيانات الوظيفية".

الكيان الوظيفي لا يعيش لأنه قوي بذاته، بل يعيش لأن مشغله الخارجي بحاجة لوظيفته. وعندما تنتهي حاجته، أو يصبح عبئه أكبر من نفعه، يتم الاستغناء عنه.

وهذا بالضبط ما نشهده اليوم مع الكيان الإسرائيلي.

لقد زرع الغرب الاستعماري هذا الكيان في قلب الأمة لثلاث وظائف واضحة: حراسة مصالحه، ومنع وحدة المنطقة، واستنزاف نهضتها. لكن هذا الكيان تحول اليوم من أداة وظيفية مفيدة، إلى عبء ثقيل لا يحتمل.

أولاً: بدأ ينهك العدو الإسراميكي عسكرياً.. عنتريات وسيطرة وهمية

رغم كل الاستعراضات الجوية وقصف الأبراج على رؤوس المدنيين، فإن الحقيقة التي يجب أن تقال: هذا الكيان فاشل عسكرياً بامتياز، وبدأ ينهك بشكل واضح.

أي جيش في الدنيا يقاس بقدرته على تحقيق أهدافه السياسية المعلنة. ما هي أهدافه التي أعلنها منذ طوفان الأقصى لغاية الآن؟ القضاء على المقاومة، واستعادة أسراه بالقوة، وتهجير أهل غزة.

فماذا تحقق؟ لا شيء. المقاومة لا تزال تقاتل في نفس المكان الذي بدأت فيه، وتخرج من تحت الأنقاض لتنصب الكمائن، والجيش الذي قيل أنه لا يقهر غرق في وحل غزة.

والنقطة الجوهرية التي تكشف زيف السيطرة: يقولون إنهم يسيطرون على ثلثي غزة عسكرياً، فما قيمة هذه السيطرة؟ السيطرة الحقيقية ليست أن تدخل الدبابة إلى الشارع، بل أن يستطيع الجندي أن ينام في ذلك الشارع وهو آمن. وهذا لا يحدث. قواته لا تسرح وتمرح، الجندي لا يستطيع أن يترجل من دبابته لدقيقة واحدة على أرض غزة. كل شبر هو كمين محتمل، وكل ركام هو عبوة. هذه ليست سيطرة، هذه مصيدة. سيطرة وهمية على الخرائط، وهزيمة حقيقية على الأرض.

ونفس الفشل يتكرر في جنوب لبنان. هدد باحتلال الجنوب وإعادة مستوطنيه إلى الشمال، وتوعد بسحق المقاومة. فدخل براً إلى القرى الحدودية، فإذا به يلقى مقاومة شرسة وقاسية لم يعهدها. يدخل ليلتقط صورة دعائية في قرية مدمرة ثم ينسحب مذعوراً تحت النار. سيطرته هناك أيضاً وهمية. وشماله نفسه أصبح فارغاً، أكثر من 100 ألف مستوطن هاربون من مستوطناتهم. هذه هي عنتريات نتنياهو: صراخ في الإعلام ليغطي هزيمته، ويطيل الحرب ليبقى على كرسيه هرباً من السجن.

ثانياً: بدأ ينهك سياسياً وأصبح محاصراً بالمواقف الدولية

سياسياً، الإنهاك أخطر. هذا الكيان كان يريد أن يندمج في المنطقة عبر التطبيع، فأصبح اليوم محاصراً بالمواقف السياسية الدولية من كل جانب.

والدليل الأكبر ما ظهر في هيئة الأمم المتحدة في دورتها الأخيرة: لأول مرة نرى أمريكا تقف وحيدة معزولة تدافع عن هذا الكيان، بينما أغلبية ساحقة من دول العالم تصوت ضدها وتدينها علناً بلا خوف.

وهنا نقطة تاريخية مهمة: أمريكا ليست من صنعت هذا الكيان، الكيان صناعة أوروبية بريطانية فرنسية بامتياز، هي من زرعته بوعد بلفور وبالانتداب وبالسلاح. أما أمريكا فهي المربية لهذا الكيان والحاضنة له بعد ضعف أوروبا.

واليوم، حتى صانعته الأصلية بدأت تبتعد عنه، أو قل بدأت تتخلى عنه. مواقف أوروبية بريطانية وفرنسية وإسبانية تتعالى بإدانته ووقف تصدير السلاح والاعتراف بدولة فلسطين. حتى الحاضنة الأوروبية بدأت تنفض يدها.

أما المربية الأمريكية نفسها، فهي أيضاً متراجعة وتستنزف. فشلت في أفغانستان وخرجت بهروب مذل من كابل، وفشلت في العراق وخرجت منهكة، وفشلت في أوكرانيا واستنزفت مخازنها، واليوم الحرب تستنزفها مباشرة: كل قنبلة من مخازنها، وكل فيتو يزيد عزلتها.

ثالثاً: الأصوات ترتفع أكثر لمحاكمته كمجرم حرب

لم يعد الأمر إدانات، بل بدأت الأصوات ترتفع أكثر في هيئة الأمم ومحكمة العدل ومحكمة الجنايات لمحاكمته كمجرم حرب.

عندما يطلب مدعي الجنائية اعتقال قادته، وتحاكمه محكمة العدل بتهمة الإبادة، فهذا يعني أن القناع سقط. لم يعد "دولة ديمقراطية" بل كيان مجرم يحاكم، وتحول من أصل استراتيجي إلى عبء أخلاقي وقانوني.

رابعاً: خط المقاومة يتجذر وخط المساومة يتلاشى معه

وأهم علامة على أن الكيان الوظيفي يتلاشى، هي انعكاس خطابه على المنطقة.

لطالما راهن هذا الكيان على خط المساومة والتنازل والتطبيع، على فكرة أن الأمة ستنسى وتستسلم. لكن طوفان الأقصى قلب الآية.

اليوم، خط مقاومة هذا الكيان يتجذر أكثر فأكثر. المقاومة لم تعد فصيلاً في غزة، بل أصبحت فكرة راسخة في وجدان الأمة كلها، من غزة إلى جنوب لبنان إلى اليمن إلى كل ساحات الأمة. كل بيت فلسطيني وعربي ومسلم اليوم يرى أن المقاومة هي الطريق الوحيد لاقتلاع هذا الكيان.

وفي المقابل، خط المساومة يتراجع ويتلاشى معه. كل دعاة التنازل والتعايش مع الاحتلال والرهان على حمايته، سقطت حجتهم أمام الدم والصمود. من كان يروج أن السلام مع هذا الكيان ممكن، انكشف أنه كيان لا يعرف إلا الإبادة. الأمة لفظت هذا الخط، والشعوب قالت كلمتها في الشوارع: لا تطبيع ولا اعتراف.

وهذه سنة التاريخ: عندما يتجذر خط المقاومة ويتراجع خط المساومة، فاعلم أن الاحتلال في أيامه الأخيرة.

الخلاصة: وحتماً بإذنه تعالى سينتهي

هذا الكيان بلا جذور، كالنبتة البلاستيكية، يعيش فقط على أنبوب تغذية خارجي بالمال والسلاح والفيتو. وعندما تضعف المربية الأمريكية وتتخلى عنه الصانعة الأوروبية، ويرى العالم أنه عبء يجب أن يحاكم، سيرفع الجميع أيديهم عنه.

وحتماً بإذنه تعالى سينتهي هذا الكيان ليس ببعيداً وإنما قريباً، فقد اكتملت أركان انهياره عسكرياً وسياسياً وأخلاقياً وإنسانياً.

وهكذا تلاشت كل الكيانات الوظيفية في التاريخ، وهكذا سيتلاشى هذا الكيان، وعد الله لا يخلف الميعاد.