ميسرة بحر
وقف بنيامين نتنياهو اليوم 24 سبتمبر على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة ليخاطب العالم، فغادر العالم القاعة: سبع وسبعون دولة تركت مقاعدها أثناء كلمته، في عزلة قلّ أن يعرف هذا المنبر مثيلاً لها.
لم يأتِ نتنياهو ليقنع أحداً، جاء متعالياً مستكبراً، يخاطب دول العالم بلغة صدامية بعيدة عن الدبلوماسية، كأن بقاء أمريكا وأوروبا، في نظره، مرهون بإسرائيل لا العكس.
لكن من الواضح أن لغة نتنياهو تحمل أجندة وأبعاداً داخلية تتعلق بالانتخابات "الإسرائيلية" القادمة، فهو يريد أن يظهر بمظهر القائد الكاريزمي الذي لا يهاب، والرجل الأنسب لقيادة إسرائيل ومواجهة المخاطر، فحوّل منبر الأمم المتحدة إلى مهرجان انتخابي.
ولم يتردد في مهاجمة قطر، فاتهمها بتمويل وسائل إعلام "سامة" لغسل عقول الشباب، وباستضافة قادة حماس، وهاجم تركيا وأردوغان لأنه يستضيف الحركة، وزعم أن أنقرة تريد الاستيلاء على أجزاء واسعة من سوريا، وهدّد إيران وحزب الله، ورفع جهاز "بيجر" على المنبر، كأنه يعرض غنيمة.
ثم بلغت المفارقة ذروتها حين قال إن فرنسا وبريطانيا استعمرتا العالم بأكمله، وإن "إسرائيل الصغيرة" تُتَّهم بالاستعمار، وطلب من العالم أن يكفّ عن الكذب.
نسي نتنياهو، أو تناسى، أنه من مخلفات الاستعمار البريطاني، فالكيان الذي يتحدث باسمه خرج من وعد بلفور، وهو وعدُ من لا يملك لمن لا يستحق.
لكن "إسرائيل" اعتادت التنكر للتاريخ وتزييف الحقائق، ومن المفارقات أن هذه الصنيعة الغربية تقف اليوم وتخاطب الغرب بلغة المتعالي على أولياء نعمته.
وهكذا، بين مهاجمة قطر وتركيا، وتهديد إيران وحزب الله، والتطاول على من صنعوا إسرائيل، يتضح أن هذا ليس خطاب دولة واثقة من موقعها، بل خطاب مفلس يبدّد ما تبقّى من رصيده، ومن استنفد رصيده السياسي والأخلاقي لا يخسر شيئاً إن رفع صوته على الجميع.
ولم يكتفِ نتنياهو بذلك، بل وجّه انتقاداً مبطناً لحليفه دونالد ترمب، وإن لم يسمّه، فقد قال إن تدمير المنشآت النووية الإيرانية كان عسيراً جداً، لكنه بالنسبة له كان من أسهل القرارات التي اتخذها، والمعنى بين السطور أن الرئيس الأمريكي تردد طويلاً قبل ضرب إيران، بينما لم يتردد هو لحظة، وهذه لا يقولها حليف يحترم حليفه، بل يقولها من يريد أن يُري العالم أن الكلمة الأخيرة عنده، وأن واشنطن تأتي بعده، حتى وهو يعتمد عليها في كل شيء.
أراد نتنياهو أن يخرج من نيويورك بصورة القائد الذي لا يُردّ، فخرج بصورة رجل يتحدث إلى مقاعد فارغة.
