بقلم عماد الافرنجي
صحفي ومحاضر جامعي
أداء الصحفي الفلسطيني في قطاع غزة أعاد تعريف مفاهيم الصحافة الحربية على مستوى العالم، فلم يكن العمل الصحفي بالمفهوم الفلسطيني وظيفة أو ترفا أو جمعا للمال وبناء مستقبل شخصي، إنما كان رسالة وعطاء وتضحيات لأجل شعب يرنو للحياة والحرية.
حتى اليوم.. 26 سبتمبر الذي يوافق اليوم العالمي للتضامن مع الصحفي الفلسطيني، ارتقى من فرسان الحقيقة وحفظة الذاكرة الوطنية 262 صحفيا شهيدا، واعتقل قرابة 140 لا يزال 49 في غياهب السجون فيما أصيب بجراح أكثر من 400 صحفي، ولا يزال ثلاثة منهم مفقودين!!.
عمل الصحفي في غزة تجربة استثنائية فريدة، وغير مسبوقة في تاريخ البشرية، فالصحفي الفلسطيني لم يكن مجرد ناقلاً للحدث، بل كان هو الحدث والشاهد والشهيد في وقت واحد، وهو ما جعل تجربته إحدى فرائد التاريخ الصحفي الحديث.
في كل تصعيد وعدوان إسرائيلي يودع الصحفي والديه وزوجته وأطفاله لأنه ببساطة ربما لن يعود ليراهم مرة أخرى، لاسيما في حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة التي حذفت منها كل الخطوط الحمراء، وكان الصحفي نفسه وعائلته ومكتبه وأدواته هدفا مباشرا ومعلنا لقوات الاحتلال!!.
فجأة يتحول الصحفي إلى مراسل حربي الذي يُفترض أن له خصوصية مختلفة من تدريبات خاصة وحماية وأدوات وقائية وتأمين حياة وغيره، وهو ما لا يتوفر للصحفي الفلسطيني، وتُلقي به الحرب في مفاضلة معقدة ما بين عمله المهني ورسالته الوطنية والأخلاقية، وبين رسالته الإنسانية في رعاية شؤون أسرته أمناً ومعيشة!!.
ويتداخل العمل الإنساني بالمهني والخاص بالعام فقد كان الصحفي الغزي ينقل خبر قصف منزل، ثم يكتشف أنه منزله أو منزل أقاربه أو جاره، بيد أنه استمر في التغطية رغم الفقد المباشر والضغط النفسي الهائل (كيف يعمل وقد بلغه استشهاد أبيه أو أمه أو زوجته أو ابنه أو..)، ما أفرز نموذجاً غير مسبوق في الصمود المهني.
في ظل هذه المعادلة المعقدة والظروف الكارثية التي يعيشها ويعمل فيها الصحفي الفلسطيني ماذا قدم له المجتمع الصحفي الدولي، والمتضامنون، والمنادون بحرية الرأي والتعبير والصحافة؟؟
ما يواجه الصحفي من مخاطر تتطلب دعما وإسنادا واستجابة شاملة أهمها الحماية القانونية، من تفعيل فوري للمواثيق الدولية لحماية الصحفيين ومنع استهدافهم وعائلاتهم ومقراتهم، والمساءلة القانونية بتحريك دعوى قضائية عاجلة ومتابعتها أمام المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين عن جرائم قتل واغتيال الصحفيين ومحاسبتهم، وتشكيل رأي عام دولي وخطوات عملية لوقف الاستهداف المباشر للصحفيين، والسماح بدخول الصحافة والوكالات الأجنبية إلى غزة.
التضامن مع الصحفي الفلسطيني يعني توفير الدعم اللوجستي والمعدات الميدانية من خوذات ودروع واقية لضمان نسبي لسلامتهم الشخصية، وتأمين وسائل الاتصال، وأجهزة اتصال عبر الأقمار الصناعية، لمنع عزلهم أثناء قطع الشبكات، وتزويدهم بالمعدات اللازمة للتصوير والبث، وتجهيز مراكز صحفية آمنة مزودة بالكهرباء والإنترنت الفضائي وسبل الحياة، لضمان استمرار التغطية.
التضامن الحقيقي يعني الدعم المادي والإغاثي الأساسي بتقديم منح مالية ودعم اقتصادي مباشر لمساعدتهم ومساعدة أسرهم النازحة في تأمين الاحتياجات الأساسية (المأوى، الغذاء، والدواء)، والوقوف الى جانب الصحفيين الأسرى قانونيا وماليا وضمان حياة كريمة لعائلاتهم والضغط الحقيقي للافراج عنهم، واسناد الصحفيين الجرحى والمرضى وتوفير رعاية طبية عاجلة لهم وضمان سفر من يلزمه العلاج بالخارج، إضافة الى توفير برامج دعم وتأهيل نفسي متخصصة للتعامل مع صدمات الفقدان والضغط الميداني المستمر، ومساعدتهم على استعادة التوازن النفسي أثناء وبعد الميدان، وكذلك دعم المؤسسات الإعلامية المحلية للوفاء بالتزاماتها المالية وصرف أجور الصحفيين.
التضامن الإعلامي يعني إعادة نشر وتبني التقارير التي ينتجها الصحفيون المحليون من قبل شبكات الإعلام العربية والعالمية لإيصال صوتهم للرأي العام الدولي، وإطلاق حملات تضامن عربية ودولية -لا تتوقف- من اتحاد الصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين وكل الاتحادات الصحفية من أجل تعزيز حرية الصحافة وفضح الجرائم الاسرائيلية بحق الطواقم الإعلامية.
يا سادة… الصحفي الفلسطيني في غزة لا يغطي الحرب من غرفة أخبار آمنة أو فندق محصن؛ بل هو نازح، وجائع، ومستهدف، لكنه تميز بالتكيف مع الظروف القاهرة، وبشجاعته النادرة تحدى الموت والخطر وعمل تحت القصف المستمر، ونقل الحدث والصورة مباشرة ووثق المجازر والدمار.
العمل الصحفي في غزة رسالة سامية وواجب وطني وأخلاقي لكشف جرائم الاحتلال والدفاع عن وجود شعب وحماية أرض ومقدسات، وما يواجهه الصحفيون من ظروف كارثية تهدد حياتهم واستقرارهم المهني والمعيشي، يتطلب تحركاً عاجلاً ومكثفاً من المجتمع الدولي، والمؤسسات الحقوقية، والاتحادات الصحفية لإنقاذهم ودعم صمودهم وسلامتهم، وضمان استمرار بث الصورة والحدث والحقيقة التي كسرت احتكار الرواية الاسرائيلية في المشهد الإعلامي الدولي.
