لم تقتصر تداعيات الحرب في غزة على القتل والدمار والنزوح، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وأعادت تشكيل السوق والسكن وطرق الحصول على المال وتأمين أبسط الاحتياجات. وبين القيود المفروضة على دخول البضائع والمعدات، وتضرر البنية التحتية، واضطراب الأسواق وسلاسل الإمداد، نشأت أزمات تتداخل أسبابها وتتضاعف آثارها، فيما يبقى المواطن الحلقة الأكثر تأثرًا بها.
ويتتبع هذا التقرير خمسًا من أبرز هذه الأزمات؛ بدءًا من السيولة وعمولات التكييش، مرورًا بالمعابر والأسواق والوقود وزيوت التشغيل، وصولًا إلى السكن والمأوى وغاز الطهي، في محاولة لقراءة أسبابها وتحولاتها وتداعياتها، وكيف يمكن لأزمة تبدأ بنقص مورد أو تعطل تدفقه أن تنتهي بتغيير تفاصيل الحياة اليومية في القطاع.
السيولة وعمولات التكييش | من أزمة النقد إلى رفضه
تحولت أزمة السيولة خلال الحرب إلى عبء إضافي على سكان غزة؛ فوجود الأموال في الحسابات لم يكن يعني بالضرورة القدرة على الحصول عليها نقدًا. ومع شح الأوراق النقدية وتعطل جانب من النشاط المصرفي، توسعت عمليات «التكييش»، وتجاوزت عمولاتها 40% في يونيو/حزيران 2025، ما كان يقتطع جزءًا كبيرًا من رواتب المواطنين وحوالاتهم قبل إنفاقها على احتياجاتهم، قبل أن تتراجع تدريجيًا خلال 2026.
ومع استمرار الأزمة، اتجه السكان والتجار بصورة متزايدة إلى التحويلات والتطبيقات المالية والدفع الإلكتروني كبديل للنقد، لتظهر مفارقة جديدة: أوراق نقدية يمتلكها المواطن، لكنها قد تفقد فائدتها في بعض المعاملات مع تراجع قبولها لصالح التحويل الإلكتروني. وهكذا لم يعد التحدي مقتصرًا على الحصول على النقد، بل امتد إلى القدرة على استخدامه بعد الحصول عليه.
وبذلك لم يكن التحول نحو التطبيقات المالية مجرد تطور طبيعي في وسائل الدفع، بقدر ما فرضته أزمة ممتدة في توفر النقد وتداوله. فالحرب التي عطلت جانبًا من الدورة النقدية دفعت السوق أولًا إلى شح السيولة، ثم عمولات تكييش مرتفعة، وصولًا إلى تراجع الاعتماد على النقد وظهور حالات رفضه؛ لتنتقل الأزمة من صعوبة الوصول إلى المال إلى تغير في طريقة تداوله، في مشهد تختصره المفارقة: أوراق نقدية في اليد، لكنها بلا فائدة حين لا تجد من يقبلها.
المعابر والأسواق | كماليات تعبر وأسعار بلا استقرار
ارتبطت الأسعار في غزة خلال الحرب بحركة البضائع عبر المعابر؛ فكلما تقلصت الإمدادات أو تعطلت ارتفعت أسعار سلع بفعل الندرة، فيما أسهم تحسن التدفق في زيادة المعروض وتراجع أسعار بعضها. ومع تقلص منافذ إدخال الشحنات، أصبح السوق أكثر حساسية لأي اضطراب في حركة البضائع، بينما بقي مستوى الأسعار أعلى بكثير مما كان عليه قبل الحرب.
لكن الأزمة لم تكن في كمية ما يدخل فقط، بل في نوعية البضائع واختيارات السوق؛ فمن بين 884 حمولة تجارية دخلت بين 7 و13 سبتمبر/أيلول 2026، حملت 290 حمولة، أي 33%، سلعًا غير أساسية، فيما ظلت احتياجات أكثر إلحاحًا محدودة. وأشارت تقارير أممية إلى أن الحوافز التجارية دفعت نحو سلع أعلى ربحًا وأقل رسومًا، ما منح المستوردين والتجار دورًا مؤثرًا في تحديد ما يصل إلى السوق ضمن المساحة المحدودة المتاحة للبضائع.
وهكذا تشكلت الأسعار بين عوامل متداخلة: القيود الإسرائيلية على المعابر والموافقات وحجم التدفق من جهة، وخيارات المستوردين والتجار وهوامش الربح والتسعير من جهة أخرى. وبينهما بقي المواطن الحلقة الأضعف؛ يدفع أكثر عندما تشح السلعة، ويراقب الأسعار تنخفض عند تحسن الإمدادات، بينما تكشف وفرة بعض الكماليات مقابل نقص احتياجات أساسية أن أزمة السوق لا تتعلق بما يستطيع المعبر تمريره فقط، بل أيضًا بما يختار السوق تمريره إلى المستهلك وبأي سعر.
الوقود وزيوت التشغيل | أزمة صغيرة تشلّ خدمات كبيرة
تحولت أزمة الوقود وزيوت التشغيل في غزة خلال الحرب من مشكلة إمداد إلى أزمة تشغيل تطال قطاعات كاملة؛ فمع تضرر شبكة الكهرباء والاعتماد الواسع على المولدات، أصبحت المستشفيات وآبار المياه ومحطات التحلية والصرف الصحي والمركبات والمعدات مرتبطة بتوفر السولار والزيوت وقطع الغيار. لكن القيود الإسرائيلية على دخول هذه المواد والكميات المسموح بها أبقت التشغيل رهينة الإمدادات؛ فمنذ مطلع مارس/آذار وحتى سبتمبر/أيلول 2026، وافقت السلطات الإسرائيلية على 13,445 لترًا فقط من زيوت المحركات، فيما بقي 92,778 لترًا بانتظار الموافقة.
وهنا يتجاوز أثر الأزمة نقص الوقود نفسه؛ فتعطل مولد بسبب غياب الزيت أو قطعة غيار قد يعني توقف بئر مياه أو محطة صرف أو خدمة صحية، ونقص مستلزمات تشغيل الآليات يبطئ إزالة الركام وفتح الطرق. وبذلك صنعت الحرب والدمار حاجة استثنائية للطاقة والمعدات في الوقت الذي ظلت فيه مستلزمات تشغيلها مقيدة، لتنشأ مفارقة أخرى من مفارقات غزة: مولدات ومضخات ومركبات موجودة، وخدمات يحتاجها السكان، لكن مادة تشغيل أو قطعة غيار قد تفصل بينها وبين العمل.
السكن والمأوى | بين بيتٍ مهدد وخيمةٍ مهترئة وإيجارٍ مرتفع
أفرز الدمار الواسع في غزة أزمة سكن تجاوزت فقدان المنزل إلى أزمة في إيجاد البديل؛ فمع تضرر أعداد كبيرة من الوحدات السكنية، اضطرت عائلات إلى البقاء أو العودة إلى مبانٍ متضررة ومهددة بالسقوط، لغياب خيارات أكثر أمانًا.
ولم تكن الخيمة حلًا مستدامًا؛ فكثير من الخيام والمساكن المؤقتة اهترأت بفعل طول الاستخدام والنزوح والظروف الجوية، فيما زادت الحاجة إلى الخيام والشوادر ومستلزمات الإيواء، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء. وفي ظل نقص المعروض، تحولت هذه الاحتياجات إلى سوق مرتفعة الأسعار، وظهرت حالات بيع للخيام والشوادر بأسعار باهظة مستفيدة من حاجة الأسر الملحة إلى حماية نفسها من المطر والبرد.
وفي المقابل، لم تصل مستلزمات الإيواء إلى جميع المحتاجين بالقدر نفسه، وسط نقص المخزون والقيود على إدخال المواد ومحدودية الاستجابة مقارنة بحجم الاحتياج، ما ترك أسرًا تبحث بنفسها عن خيمة أو شادر أو مواد لإصلاح مأواها. أما من بحث عن منزل سليم، فواجه ارتفاع الإيجارات بفعل الطلب الكبير مقابل تقلص عدد الوحدات القابلة للسكن، لتتحول ندرة المساكن إلى ضغط إضافي على أسر أنهكتها الحرب وفقدان مصادر الدخل.
وهكذا وجد المواطن نفسه بين بيت مهدد بالسقوط، وخيمة مهترئة أو باهظة الثمن، وإيجار مرتفع، ومساعدات إيواء لا تغطي حجم الاحتياج، فيما بقي إصلاح المنازل وإعادة إعمارها مرتبطًا بتوفر المواد والمعدات والتمويل. وبذلك لم تعد أزمة السكن نتيجة للدمار وحده، بل أصبحت أيضًا أزمة بدائل محدودة، وأسعار تستفيد من شدة الطلب، واستجابة إنسانية لا تزال دون حجم الحاجة.
غاز الطهي والقداحة | حين يصبح إشعال النار أزمة
تحول غاز الطهي خلال الحرب من احتياج منزلي اعتيادي إلى أزمة يومية ارتبطت بالكميات المتاحة وتدفق الإمدادات. ومع شح الغاز وارتفاع كلفته، اضطرت أسر إلى استخدام الحطب والكرتون والمخلفات ووسائل أخرى لإعداد الطعام، لتنتقل الأزمة من البحث عن الغاز إلى البحث عن أي وسيلة يمكن بها إشعال النار.
ومن هنا ارتفعت قيمة واحدة من أبسط السلع: القداحة. ففي يوليو/تموز 2026 وثقت رويترز وصول سعر الولاعة، التي كانت تباع قبل الحرب بأقل من شيكل، إلى 100 شيكل في بعض الحالات. ومع الاستخدام المتكرر وندرة البديل، لم يعد الناس يتخلصون من القداحات التالفة، بل ظهرت مهنة جديدة فرضتها ظروف الحرب: تصليح وصيانة الولاعات وإعادتها للعمل؛ ووثقت رويترز حالة مهندس زراعي سابق تحول إلى مصلح للولاعات وأقام بسطة صغيرة يكسب منها رزقه.
وهكذا صنعت أزمة غاز الطهي سلسلة كاملة من التداعيات: غاز يشح ويرتفع ثمنه، أسر تبحث عن وقود بديل، قداحة تصبح سلعة باهظة، ثم مهنة جديدة تولد لإصلاحها وإطالة عمرها. وهي صورة تختصر اقتصادًا أعادت الحرب تشكيله حتى في أدق تفاصيل الحياة؛ فأداة صغيرة لإشعال النار أصبحت موردًا ثمينًا، وصيانتها مصدر رزق جديدًا في سوق صنعت الندرة كثيرًا من قواعده.
واقع مفتوح على أزمات جديدة
تعيش غزة واقعًا بالغ الصعوبة فرضته الحرب واستمرار تداعياتها، فيما تكشف الأزمات السابقة كيف يمكن لمشكلة تبدأ عند المعبر أو في نقص مادة أساسية أن تمتد سريعًا إلى السوق والمنزل وتفاصيل الحياة اليومية. فالسيولة والأسواق والوقود والسكن وغاز الطهي ليست ملفات منفصلة، بقدر ما هي حلقات متداخلة يؤدي تعطل إحداها إلى زيادة الضغط على الأخرى.
وقد لا تكون هذه الأزمات الوحيدة ولا الأخيرة في واقع ما تزال فيه مسبباتها قائمة، فيما يحتاج القطاع إلى ما يتجاوز الحلول المؤقتة وإدارة النقص من أزمة إلى أخرى. فمعالجة التداعيات تبدأ بوقف الحرب واستعادة التدفق المستقر للاحتياجات الأساسية، وتمكين الخدمات والأسواق من العمل، وفتح مسار فعلي للتعافي وإعادة الإعمار؛ وإلا ستبقى غزة أمام أزمات تتغير أشكالها وأسماؤها، بينما يتحمل المواطن كلفتها في كل مرة.
