تُعد الأيديولوجيا مجموعة من الافتراضات والتفسيرات والرؤى التي يبلورها عدد قليل من الأشخاص قبل أن تعتنقها مجموعة أكبر بكثير من الناس. وعندما تتبنى الحركات والمؤسسات، ولاحقا الدول، هذه المبادئ، فإنها تصبح الطريقة الحصرية التي يفسر بها الناس الواقع من حولهم، لا سيما إذا لُقنوا إياها منذ سن مبكرة عبر النظام التعليمي، ووسائل الإعلام، والخطاب السياسي، وغيرها من وسائل التنشئة الاجتماعية.
وتمثل الصهيونية في هذا الصدد، إحدى هذه الأيديولوجيات؛ إذ بدأت بعدد قليل من الأشخاص وانتهت لتصبح أيديولوجيا دولة. وغالبا ما يواجه هذا التفسير الأيديولوجي للواقع تحديات تفرضها التطورات على الأرض، ويخلق مثل هذا التحدي تنافرا معرفيا، لا يمكن حله إلا من خلال تغيير أساس الأيديولوجيا ليتوافق مع الواقع، أو محاولة تغيير الواقع بالقوة ليتناسب مع الأيديولوجيا.
ويشكل التنافر المعرفي المنظور الأفضل الذي يمكن من خلاله فهم التحديات التي تواجهها الصهيونية اليوم بوصفها أيديولوجيا دولة، كما يمكن أن يفيدنا في سعينا لمحاولة تقييم مستقبلها.
ويفرض الواقع الميداني في فلسطين التاريخية ثلاثة تحديات رئيسية على الافتراضات والطموحات الأساسية للأيديولوجيا الصهيونية بوصفها أيديولوجيا دولة. وإما أن يُحل هذا التنافر المعرفي عبر التخلي عن هذه الأيديولوجيا، أو من خلال المحاولة المستمرة لفرضها على الواقع.
معظم الأشخاص الذين ينتمون إلى نخبة المال والتكنولوجيا الفائقة لن يقبلوا العيش في دولة يهودية تُدار وفقا لتفسير صارم للشريعة اليهودية، وقد غادروا بالفعل بأعداد كبيرة لإيمانهم بأنهم خسروا المعركة
الجذور والأهداف الصهيونية
ولنلخص هنا الأهداف الصهيونية التي كان يُراد تنفيذها على أرض الواقع في فلسطين. طُرح المشروع كعلاج لتصاعد نوع جديد من معاداة السامية، والذي أعقب ظهور حركات قومية جديدة في وسط وشرق أوروبا. وكانت هذه، في الغالب، حركات قومية رومانسية لم تحدد فقط من ينتمي إلى الأمة، بل حددت أيضا من لا ينتمي إليها.
وكان "الآخر" الأسهل استهدافا في هذا السياق هم يهود أوروبا، رغم كونهم أوروبيين لقرون عديدة. لذا، تمثل الهدف الأول في إيجاد ملاذ. وتمثل الهدف الثاني في تعريف اليهودية بوصفها قومية. ونبع هذا من نواح عديدة، من استبطان النظرة العنصرية المعادية للسامية التي اعتبرت اليهود عرقا أو أمة غير أوروبية لا يمكنها الازدهار إلا خارج أوروبا.
وبالنظر إلى الارتباط التوراتي، لم يكن مفاجئا أن يقع الاختيار على فلسطين لتكون الوطن الجديد لمثل هذه الحركة.
وفي اللحظة التي ركزت فيها الحركة الصهيونية أنظارها على فلسطين، واجهت تحدي الواقع على الأرض؛ فقد كانت فلسطين بلدا مأهولا بالسكان، وكان شعبها يمر بعملية واضحة من التحديث وتقرير المصير كأمة، ولم يكن مستقبلها في عيون شعبها، يكمن في إلحاقها بأوروبا، بل في كونها جزءا من العالم العربي.
وقد حُل التنافر المعرفي هنا، أولا، عبر الادعاء بأن الأرض كانت خالية، ثم عبر إيجاد الوسائل لإفراغها من سكانها الأصليين. وتمثلت المرحلة الأخيرة في نزع العروبة عن هذا البلد العربي.
ولتحقيق ذلك احتاجت الحركة إلى بناء تحالف قوي تتوسطه الإمبراطورية البريطانية، وفي اللحظة التي رفض فيها الفلسطينيون استعمار وطنهم، برزت الحاجة إلى تحالف أقوى يضم أوروبا بأسرها والولايات المتحدة الأمريكية.
وعلى الرغم من هذا التحالف القوي الذي أتاح استخدام الإكراه والعنف بغية تنفيذ الأيديولوجيا الصهيونية، التي استحالت أيديولوجيا استعمارية استيطانية، فإن المقاومة المحلية للسكان الأصليين وصمودهم جعلا هذا التحدي عصيا على الحل؛ حتى يومنا هذا، وبعد التطهير العرقي عام 1948 والإبادة الجماعية في غزة عام 2023.
إن مسار السياسة الحالية في إسرائيل، حتى وإن خسر نتنياهو الانتخابات المقبلة، يتجه نحو استمرار التشكيك في هذه الشرعية، وربما بصورة أكبر في المستقبل، وقد أصبح من المألوف بالفعل بين الأكاديميين والجامعات الغربية دراسة الصهيونية وتدريسها بوصفها استعمارا استيطانيا؛ ولم يعد هذا مجرد رأي سياسي بل ثمرة للبحث العلمي
التحديات الرئيسية الثلاثة1. صمود الأرض والمقاومة الفلسطينية
أدى العجز عن حل هذا التحدي بسبب المقاومة والصمود الفلسطينيَّين، إلى تصعيد الوسائل التي حاولت إسرائيل من خلالها تنفيذ الأيديولوجيا الصهيونية على الأرض بمرور السنين، وقد وفرت عمليةطوفان الأقصى ذريعة لتصعيد غير مسبوق في هذه المحاولة.
فحتى أكتوبر/تشرين الأول 2023، شملت وسائل التعامل مع تحدي زرع دولة يهودية أوروبية في قلب المشرق وعلى حساب الفلسطينيين: التطهير العرقي عام 1948، والحكم العسكري داخل إسرائيل ثم في الأراضي المحتلة، ونظام الفصل العنصري تجاه عرب 48، والإبادة الجماعية التدريجية في غزة منذ عام 2010، والتطهير العرقي التدريجي في الضفة الغربية منذ عام 2000.
ولم يسهم الحصار المفروض على غزة والاعتداءات العسكرية المتكررة، فضلا عن محاولة تدمير قوى المقاومة في الضفة الغربية، في التخفيف من حدة هذا التحدي. إذ يمثل الفلسطينيون نصف السكان في فلسطين التاريخية، وهم لا يتنازلون عن حقهم في تقرير المصير والتحرر. وقد اعتقدت الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، المنتخبة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، أن تصعيد أعمالها سيؤدي إلى هجرة فلسطينية جماعية، وهو ما لم يحدث.
وليس من المستغرب أن تعتبر واحدة من وزرائها، أوريت ستروك، عملية طوفان الأقصى "معجزة"؛ قاصدة بذلك أنها وفرت الآن المبرر للتدمير الشامل لقطاع غزةوالتطهير الكامل لسكانه.
ولم تكن هذه العملية الإسرائيلية، التي تحولت إلى إبادة جماعية، انتقاما لمقتل مواطنين وجنود إسرائيليين في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بل كانت تنفيذا لخطة أعدها الجيش الإسرائيلي، لكن بنيامين نتنياهو تردد في تفعيلها.
وبعد مرور ثلاث سنوات على الإبادة الجماعية، لا تزال هذه الخطة غير مكتملة أيضا، ولهذا السبب وعد عدد لا بأس به من الأحزاب اليمينية بالدفع نحوها إذا شكلت الحكومة بعد الانتخابات الوطنية المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول. ويحفل التاريخ لسوء الحظ، بأمثلة على نجاح مثل هذه المشاريع الهادفة إلى الإلغاء التام، ولكن من الصعب تقبل فكرة أن العالم والمنطقة والمقاومة الفلسطينية سيسمحون بحدوث ذلك.
ويفرض العجز عن التعامل مع هذا التحدي الرئيسي للصهيونية، المتمثل في استحالة زرع دولة يهودية أوروبية بالقوة في قلب المشرق عبر اقتلاع الفلسطينيين، خطرا وجوديا على مستقبل إسرائيل، لا سيما أنه يتزامن مع تحديين آخرين ألحقا الهزيمة، حتى الآن، بالصهيونية بوصفها أيديولوجيا دولة لإسرائيل.
لعل المثال الأبرز على الكيفية التي غيرت بها الإبادة الجماعية في غزة الخطاب حول الصهيونية هو قرار حزب الخضر البريطاني اعتبار الصهيونية عنصرية
2. الانقسام الداخلي وأزمة الهوية
ويتمثل التحدي الثاني في ترجمة فكرة أن اليهودية تمثل قومية إلى واقع يومي في إسرائيل؛ إذ لم يكن من الممكن التوفيق بين فكرة الدولة اليهودية الدينية-الثيوقراطية، وفكرة الديمقراطية الليبرالية (حتى وإن كانت ديمقراطية تقتصر على المواطنين اليهود فقط)، ولا يُعد هذا تساؤلا نظريا مجردا، بل يتعلق بالمجال العام، والنظام القضائي، والنظامين التعليمي والثقافي.
فمعظم الأشخاص الذين ينتمون إلى نخبة المال والتكنولوجيا الفائقة لن يقبلوا العيش في دولة يهودية تُدار وفقا لتفسير صارم للشريعة اليهودية، وقد غادروا بالفعل بأعداد كبيرة لإيمانهم بأنهم خسروا المعركة.
فهل يمكن لدولة أن تحيا دون هذه النخبة؟ وهل ستستمر دولة كهذه في تلقي الدعم غير المشروط من الحكومات الغربية (بعد أن فقدت بالفعل دعم الكثيرين في المجتمعات الغربية)؟ هذا ما ستكشفه الأيام، لكنه يشكل مستقبلا يكتنفه الغموض الشديد بالنسبة للدولة اليهودية.
3. تراجع الشرعية على المستوى العالمي
ويتمثل التحدي الأخير في الطريقة التي يُتعاطى بها مع الصهيونية كمفهوم على المستوى العالمي؛ ولعل المثال الأبرز على الكيفية التي غيرت بها الإبادة الجماعية في غزة الخطاب حول الصهيونية هو قرار حزب الخضر البريطاني اعتبار الصهيونية عنصرية، فقد تظاهر ملايين الأشخاص الذين خرجوا دعما لفلسطين وغزة ضد الصهيونية علانية أيضا، وكان الشعار الشائع "من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر" بمثابة دعوة لإقامة دولة ديمقراطية واحدة بديلا عن الدولة الصهيونية.
واليوم تقف الصهيونية كمفهوم في بؤرة التفاعل الدولي مع قضية فلسطين؛ ويتمثل الانعكاس الأول والمهم لهذا الوضع الجديد في رفض حركة التضامن القبول بأن المشكلة تكمن في بنيامين نتنياهو وحكومته، بل في أيديولوجيا الدولة ذاتها. أما الانعكاس الثاني فيتمثل في أن شرعية النظام الصهيوني ذاتها أصبحت موضع تساؤل بالنسبة للكثيرين حول العالم، والآن أيضا بالنسبة لبعض القوى السياسية.
وأخيرا فإن مسار السياسة الحالية في إسرائيل، حتى وإن خسر نتنياهو الانتخابات المقبلة، يتجه نحو استمرار التشكيك في هذه الشرعية، وربما بصورة أكبر في المستقبل، وقد أصبح من المألوف بالفعل بين الأكاديميين والجامعات الغربية دراسة الصهيونية وتدريسها بوصفها استعمارا استيطانيا؛ ولم يعد هذا مجرد رأي سياسي بل ثمرة للبحث العلمي.
ماذا عن المستقبل؟
وستفضي هذه التحديات الثلاثة مجتمعة إلى توليد مزيد من العنف ضد الفلسطينيين، وبالمقابل ضد اليهود الإسرائيليين أيضا، ولا سبيل لتجنب ذلك إلا من خلال تكييف الأيديولوجيا مع الواقع؛ ففلسطين كانت، ولا تزال، جزءا من العالم العربي، وهي الوطن الأم للفلسطينيين الأصليين كما هي موطن الجيل الثالث من المستوطنين اليهود.
ولن يتسنى بناء مستقبل جديد لجميع المعنيين إلا من خلال العيش في دولة ديمقراطية واحدة بين النهر والبحر، مع عودة اللاجئين الفلسطينيين.
