غزة

24°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

حكاية آية الدحدوح.. ولادة بلا تخدير وفواجع انتزعت أبناءها وزوجها

آية الدحدوح، أم فلسطينية فقدت ابنيها وزوجها خلال الحرب على غزة.
شمس نيوز – خاص (مطر الزق)

في غرفة معتمة لا يضيئها سوى "كشاف هاتف" محمول تحمله حماتها، تخوض آية الدحدوح واحدة من أقسى تجارب حياتها، تقبض بقوة على يد زوجها، وتصرخ من أعماق قلبها، وعيناها غارقتان بالدموع، وبصعوبة ترى مشرطًا صغيراً وسماعةً طبية يُصغي بها الطبيب إلى دقات قلبها.

في الخارج، لا يتوقف القصف الإسرائيلي، وتهتز جدران المنزل من شدته الإنفجارات، فيما لا تغادر طائرات الاحتلال سماء المدينة المبائسة، مهددة أرواح السكان، وسط هذه الظروف الصعبة، يرفع زوج آية يده إلى السماء، ويردد دعواته: "اللهم سلم زوجتي.... وجنينها".

في تلك اللحظات القاسية، ينادي الطبيب مساعده وهو يمسح العرق عن جبينه: "سبيرتو، قطن، الإبرة والخيط"، وبعد قليل، يعلو صوت الطفل معلنا ولادته، عقب عملية قيصرية أُجريت لوالدته آية من دون تخدير.

لم تكن الولادة بداية هادئة لحياة جديدة، بل تجربة تختلط فيها آلام المخاض بمخاوف القصف وغياب أبسط مقومات الرعاية الطبية، فمنذ السابع من أكتوبر 2023، فرض العدوان الإسرائيلي على نساء غزة واقعا قاسيا، امتدت تداعياته إلى أكثر اللحظات خصوصية في حياتهن، وحوّل الولادة من لحظة يفترض أن تحمل الفرح والأمان إلى مواجهة مفتوحة مع الألم والخطر.

158.jpeg

7 أكتوبر.. حين انقلبت الحياة

لم تتوقع آية الدحدوح (31 عاما)، الحاصلة على درجة البكالوريوس في تخصص الصحافة والإعلام والماجستير في إدارة الأزمات والكوارث، أن تنجب طفلها في ظروف قاسية لا تتحملها النساء، تقول لمراسل "شمس نيوز": "تزوجت عام 2018 من رجل يملك كل مواصفات الجمال والشهامة والرجولة والحب والإخلاص، وأنجبت منه معتصم عام 2020".

كانت آية تعيش، كغيرها من الأمهات في قطاع غزة، في شقة مستقرة داخل منزل عائلة زوجها، وتمكنت من تزيين بيتها وترتيبه بأجمل الأثاث وأفخمه، وكانت تحلم بأن تصبح مسعفة لتقديم خدمات الإسعاف والطوارئ، والأهم في قصتها، كما توضح آية، أن زوجها كان يدعمها في كل خطوة تراها مناسبة، ويدفعها إلى تحقيق طموحاتها وأحلامها.

مرت الأيام الجميلة بين آية وزوجها سريعا، حتى جاء السابع من أكتوبر 2023، وهو التاريخ الذي تغيرت فيه الحياة رأسا على عقب، وبدأت العائلة تخوض معارك من أجل البقاء على قيد الحياة، نزحت تحت وطأة القصف والتوغلات الإسرائيلية من منطقة إلى أخرى، ولم يكن النزوح سهلا، إذ كانت آية في المراحل الأولى من الحمل، تنتظر لحظة الولادة بفارغ الصبر، بعد نحو خمس سنوات من إنجاب طفلها الأول معتصم.

نزحت آية خلال حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل نحو 17 مرة، وتشير إلى أن فكرة النزوح بحد ذاتها تشبه خلع الروح من الجسد، فلا تتوفر وسائل نقل لحمل الأمتعة، ولا توجد منطقة آمنة يمكن اللجوء إليها.

WhatsApp Image 2026-10-11 at 5.04.46 PM.jpeg


 

ولادة على كشاف الهاتف

أصعب ما واجهته آية كان المجاعة الأولى في شمال قطاع غزة، وتقول لمراسلنا: "كنت أشعر بالرعب والخوف على الجنين بسبب النزوح والمجاعة، وكنت أتمنى أن أحتضن الجنين ونعيش سويا حياة مليئة بالاستقرار والهدوء".

في فبراير 2024، دقت ساعة الصفر، وبدأت آية تشعر بآلام المخاض التي فاجأتها في منتصف الليل، تقول: "عندما جاء المخاض، لم أتمكن من مغادرة المنزل، ولم تتمكن سيارة الإسعاف أو سيارات النقل من الوصول إلى مكاني. وفي تلك اللحظة، قرر فريق طبي السير على الأقدام لإنقاذ حياتي وحياة الجنين".

وتحت القصف والدمار، وفي ظل تحليق طائرات الاحتلال، وصل الفريق الطبي إلى منزل آية، وتوضح أن الفريق قرر إجراء عملية قيصرية عاجلة من دون أدوات تعقيم أو إضاءة مناسبة أو غرفة آمنة، ما أثار خوفها الشديد؛ لكن الفريق تمكن، بعد نحو نصف ساعة، من إتمام العملية.

احتضنت آية طفلها بحرقة، والدموع تنهمر على جسده الصغير، ونظرت إلى زوجها الذي قرر تسميته "عبد الهادي" تيمنا بمديره في العمل والذي استشهد في مجزرة التاج، فطبع قبلة على جبينها، ورفع يده إلى السماء شاكرا الله تعالى، ثم ردد: "الحمد لله على سلامتك".

12.jpeg


 

قتل الأطفال والأجنة

غير أن ابتسامة آية وفرحتها لم تكتمل، إذ قرر الفريق الطبي وضع الطفل عبد الهادي في الحضانة بمستشفى كمال عدوان، خشية على حياته واستكمالا للرعاية الصحية التي يحتاجها الطفل.

لم تر آية طفلها عبد الهادي سوى ثلاث مرات فقط، وبعد اليوم الخامس من الولادة، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي شمال قطاع غزة، وحاصرت مستشفى كمال عدوان، لتصاب آية بصدمة قاسية، أمسكت بيد زوجها وصرخت: "ابني، ابني في المستشفى، بدنا نجيبه"؛ لكن أمنيتها لم تتحقق، إذ قُتل، بحسب رواية وزارة الصحة الفلسطينية، جميع أطفال الحضانة في المستشفى على يد قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي.

العائلة مسحت من السجل المدني

لم تتوقف سلسلة الفواجع في حياة آية الدحدوح عند فقدان طفلها الصغير عبد الهادي، بل توالت الخسائر، ففي منتصف ليل الخميس، 5 سبتمبر 2024، استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي منزل آية بصواريخ مدمرة، ما أدى إلى تدميره فوق رؤوس ساكنيه.

لم تجد آية نفسها إلا في مستشفى الشفاء، حيث تلقت العلاج اللازم. وهناك أُبلغت بالفاجعة الثانية، لتصاب بصدمة قاسية. تقول: «ابنك معتصم استشهد، وحماتك وحماك وسلفتك وزوجها وأطفالهم كلهم استشهدوا، أما زوجك أبو معتصم فقد أصيب بجروح بالغة».

بكت آية كثيرا، لكن بقي لديها أمل واحد يصارع الموت، هو زوجها أبو معتصم، الذي أصيب بجروح بالغة. وتقول: «عندما كنت أشاهد زوجي، كنت أهدأ قليلا، لأن ضلعي الأكبر ما زال حيا ويقاتل من أجل البقاء على قيد الحياة، لنعيد حياتنا من جديد».

فقدت حبيبها وروحها

مرت أيام قليلة ثقيلة على آية، لكن آلة القتل الإسرائيلية واصلت ملاحقتها وملاحقة أحلامها وطموحاتها وأمنياتها، وبعد ستة أيام فقط، في 15 سبتمبر 2024، أعلنت الطواقم الطبية استشهاد زوجها أبو معتصم متأثرا بجراحه.

تأثرت آية كثيرا، وكادت تفقد عقلها لولا إيمانها بالله عز وجل وبقضائه وقدره. وفي تلك اللحظات القاسية، استرجعت شريط ذكرياتها، وقالت: "زوجي هو الداعم الأساسي لتحقيق طموحي، فقد كان يحفزني في أكثر من مجال، لأنه يراني أحمل طموحات وأحلاما أريد تحقيقها".

 

مسعفة تحتاج لمن يسعفها

تكمن المفارقة في قصة آية في أنها أمضت سنوات في إنقاذ الآخرين، قبل أن تجد نفسها في أمس الحاجة إلى من ينقذها، فمنذ عام 2014 تطوعت في مجال الإسعافات والطوارئ، وقدمت الإسعافات الأولية للمصابين والمرضى، أملا في إنقاذ حياتهم.

تقول آية: «تطوعت في الإسعافات والطوارئ لتقديم الخدمات الإسعافية وإنقاذ أرواح الناس من الموت»، لكنها لم تتخيل أن يأتي يوم تحتاج فيه إلى تلك الخدمات لإنقاذ نفسها وجنينها.

حاولت آية إسعاف نفسها، لكن غياب الأدوات والمعدات الطبية اللازمة حال دون تمكنها من التعامل مع الولادة بأمان، ومع عجزها عن مواجهة الموقف بمفردها، استنجدت بزملائها، الذين أرسلوا إليها فريقا طبيا مختصا.

15.jpeg


 

حقوق مع وقف التنفيذ

وتضيف بصوت مختنق: «حياتي اختلفت منذ بداية حرب السابع من أكتوبر. انتظرت خمس سنوات لأحمل ابني الثاني عبد الهادي، لكن قدر الله كان أقوى منا، استشهد أبنائي، وبعدهم فقدت ضلعي الأكبر، لتختل حياتي كليا".

وعن حقوق المرأة الفلسطينية، ولا سيما الأم والمرأة الحامل في الحصول على الرعاية الصحية، تقول آية: "حقوق المرأة في فلسطين عامة، وفي غزة خاصة، مفقودة بالكامل، ليس لها حقوق، فقد جاءت تداعيات الاحتلال الإسرائيلي لتعدم حقوق المرأة والأطفال والرجال وكبار السن".

وتوضح أن المرأة الفلسطينية تعاني كثيرا بسبب ظروف الحرب، ولا تحصل على حقوقها الأساسية، حتى إن الرعاية الصحية الإنجابية للحوامل أصبحت معدومة.

 

 

تنويه: تم اعداد هذه القصة الصحفية بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذه القصة بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.