لم يعُد موسم الزيتون في الضفة الغربية المحتلّة ذلك الموسم الذي تحتفي به كتب المدارس وأغاني العتابا والزجل، حين كانت العائلة الفلسطينية تجتمع تحت الشجر، ويتصاعد من البساتين دخان إعداد الطعام وأباريق الشاي على النار. فلون الدخان الذي بات يتصاعد اليوم من تلك البساتين، مصدره أشجار تحترق على أيدي المستوطنين؛ والحقول التي باتت فخاخاً للموت وساحات اشتباك دائمة، حوّلت قطاف الزيتون الذي ينتظره الفلسطينيون، طيلة العام، لتحسين أوضاعهم المعيشية، من موعد خير إلى أيام من الخوف والوجع والدم، سواء بفعل حرمانهم من الوصول إلى أراضيهم، أو إحراق أشجارهم واقتلاعها، أو سرقة ثمارها. ورغم أن الموسم انطلق رسمياً في الخامس عشر من تشرين الأول الجاري، فقد سارع المزارعون إلى استباق موعده لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من محصولهم، لكنهم سرعان ما اصطدموا باعتداءات تكشف، بنمطها وتواترها، عن خطّة منظّمة من جانب المستوطنين لتحويل قطاف الزيتون إلى مناسبة جنائزية.
ففي قرية كيسان جنوب شرق بيت لحم، كان يُفترض أن تمضي عائلة أبو دية صباح الأحد في قطاف زيتونها، قبل أن تجد أكثر من 120 شجرة مقطوعة، بعدما حوّل المستوطنون عشرة دونمات من أرضها إلى خراب. ويتكرّر هذا المشهد، بصيغة أو بأخرى، في معظم قرى الضفة وبلداتها؛ إذ رُصد أول من أمس وحده، 40 اعتداءً وانتهاكاً نفّذها جيش الاحتلال والمستوطنون بحقّ المزارعين والأراضي والمحاصيل، توزّعت على محافظات نابلس ورام الله والبيرة وسلفيت وجنين والقدس وبيت لحم والخليل. وشملت تلك الاعتداءات إطلاق الرصاص والضرب والاعتقال والطرد من الأراضي وسرقة المحاصيل والمعدّات وتدمير الأشجار. وبحسب «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، فإن هذه الوقائع «تكشف تكامل الاعتداءات على المزارعين مع استهداف الأشجار والمحاصيل والمعدّات وطرق الوصول إلى الأرض؛ بما يحوّل موسم الزيتون إلى وسيلة للضغط على الوجود الفلسطيني في المناطق المُستهدفة». وشدّدت «الهيئة» على أن حماية الموسم تتطلّب «حماية المزارعين وتمكينهم من الوصول الآمن والمستمرّ إلى أراضيهم، ووقف اعتداءات المستعمرين والحماية العسكرية التي ترافقها، ومُساءلة المسؤولين عنها».
ووفق وزارة الزراعة الفلسطينية، بلغت الخسائر الزراعية المباشرة الناجمة عن اعتداءات الاحتلال في الضفة نحو 1.19 مليون دولار خلال أسبوع واحد، وذلك بين الثامن والخامس عشر من تشرين الأول الجاري. وأوضحت الوزارة أن 2382 شجرة زيتون تضرّرت بالقلع والقطع والتكسير والحرق، في ما تُقدَّر الخسائر الناجمة عنه بـ1.096 مليون دولار. كما لحقت أضرار بكروم العنب واللوزيات ومصادر المياه والمُنشآت الزراعية والثروة الحيوانية والمعدات والبنية التحتية. كذلك، سُجّل 136 اعتداءً مرتبطاً بموسم القطاف بين الأول والثاني عشر من الجاري، شملت اعتداءات جسدية وطرداً للمزارعين وسرقة محاصيل وإحراق أشجار، بحسب الوزارة.
والواقع أن ما يكابده الفلسطينيون منذ سنوات من اعتداءات المستوطنين بات مألوفاً لدى العالم، في حين أن مواقف الأخير حيال نموّ ميليشيات المستوطنين، عدداً وعتاداً، وتحوّلها إلى ما يشبه مجموعات مسلّحة منظّمة في تخطيطها وأهدافها، لا تتجاوز الردّ ببيانات أو خطوات شكلية. غير أن جرأة المستوطنين التي تمثّلت، أخيراً، باعتداء مجموعة منهم بالضرب على وفد دبلوماسي أوروبي في قرية الطيبة المسيحية قرب رام الله، وعلى هايدي ليفين، المُصوِّرة الصحافية الأميركية في صحيفة «واشنطن بوست»، أثارت تحرّكات من قِبل الدبلوماسية الأوروبية والأميركية.
وفي هذا الإطار، دعت فرنسا السلطات الإسرائيلية إلى توقيف المسؤولين عن الاعتداء على الوفد الأوروبي وإحالتهم إلى القضاء، فيما طالبت الولايات المتحدة عبر سفيرها لدى إسرائيل، مايك هاكابي، السلطات الإسرائيلية بملاحقة المسؤولين عن «العمل الإرهابي» وسجنهم. وأضاف هاكابي، على منصة «إكس»، أن «الاعتداء على مُصوِّرة صحافية هو عمل إرهابي دنيء ارتكبه جبناء ملثّمون». وبدوره، قال وزير الخارجية، ماركو روبيو، إن الولايات المتحدة «منزعجة للغاية» من «الصور التي تُظهِر عنف المستوطنين في الضفة الغربية»، والاعتداء على الصحافية الأميركية، مضيفاً: «لقد اطّلعنا على التقارير حول ما حدث بالأمس؛ ورغم أنني لا أملك كلّ التفاصيل، إلا أننا طلبنا توضيحات من السفارة - ومن المتوقّع أن نتلقى تقريراً مُفصّلاً اليوم أو غداً يوضح الحقائق -، لكن بناءً على ما ورد في التقارير الإعلامية، فإن الوضع يبدو مُقلِقاً للغاية».
ويبدو أن الإدارة الأميركية وجدت نفسها مضطرة إلى التحرّك، بعدما وثّقت عدسات المُصوِّرين تعرّض ليفين للضرب المُبرح بالأقدام لنحو عشر دقائق على أيدي مستوطنين، قبل أن يتمكّن شبان من قرية أبو فلاح قرب رام الله من إنقاذها ونقلها إلى المستشفى. وكانت وزارة الخارجية الأميركية دانت، الجمعة الماضي، «العنف الإجرامي» في الضفة العربية المحتلة، من دون الإتيان مباشرة على ذكر الحادثة أو تصعيد خطابها ضدّ المستوطنين.
المصدر: الأخبار اللبنانية
