داخل خيمة بسيطة، وبين إمكانات محدودة لا تشبه ما كان متاحاً قبل الحرب، تحاول فتيات وسيدات في مدينة غزة استعادة جزء من حياتهن التي توقفت لسنوات، هنا تتحول الخيمة إلى مساحة للتدريب والتفريغ النفسي، وتصبح رياضة الملاكمة وسيلة لمواجهة الضغوط التي خلفتها الحرب والنزوح والخوف.
وبعد أن دُمر مقر نادي "غزة بوكسينغ للسيدات" في حي تل الهوى، لم تتوقف الرغبة في ممارسة الرياضة، بل بدأت رحلة جديدة بإمكانات متواضعة.
ويستقبل النادي فتيات وسيدات تتراوح أعمارهن بين 7 و35 عاماً، في محاولة لإعادة إحياء النشاط الرياضي، ومنح المتدربات مساحة يفرغن فيها طاقاتهن ومشاعرهن، ويستعدن شيئاً من الحياة التي حرمتهن منها الحرب.
مدرب الملاكمة والحكم الوطني للملاكمة الكابتن نادر ياسين أوضح أن تدريبات الملاكمة المخصصة للسيدات كانت تُقام قبل الحرب في مقر مجهز بكل الأدوات والمعدات اللازمة، وكانت المتدربات يمارسن الرياضة في ظروف طبيعية، قبل أن تدمر الحرب النادي ومحتوياته بالكامل.
وقال الكابتن ياسين: "إن واقع حرب الإبادة وما خلفته من تدمير كافة مقرات الملاكمة في غزة فرض عليهم البدء من جديد، داخل خيمة وبأبسط الإمكانات المتاحة، في ظل صعوبة توفير معدات وأدوات الملاكمة".
وأضاف أن الهدف من استئناف التدريبات لا يقتصر على الجانب الرياضي، بل يمتد إلى التفريغ النفسي، وتحسين اللياقة البدنية، وتغيير الأجواء التي فرضتها الحرب على الفتيات والسيدات.
ويضيف إلى أن النادي يستقبل فئات عمرية تبدأ من سبع سنوات، وتصل إلى نحو 35 أو 40 عاماً بحسب رغبة المتدربات، مؤكداً أن الهدف هو الاستمرار في التدريب وإعداد لاعبات قادرات مستقبلاً على المشاركة في البطولات وتحقيق الإنجازات، رغم الظروف الصعبة".
وأشار إلى أن المكان الذي كان مجهزاً سابقاً بأدوات ومعدات الملاكمة لم يعد موجوداً، لكن الإصرار على الاستمرار بقي حاضراً، فحتى الخيمة الحالية لا توفر الظروف المثالية للتدريب، ومع ذلك يحاول المدربون والمتدربات مواصلة الطريق بما هو متاح.
من جهة أخرى تحدثت اللاعبة ولاء أبو ندى عن علاقتها بالملاكمة، التي توقفت لثلاث سنوات بسبب الحرب، بعدما كانت تمارس هوايتها في النادي الذي كان يوفر لها ولزميلاتها مكاناً مناسباً ومعدات التدريب اللازمة.
وافادت بأن الحرب أخذت منها الكثير، ومن بينها رياضتها المفضلة، لكنها قررت بعد ثلاث سنوات ألا تستسلم، وأن تبدأ من جديد، حتى لو كانت الظروف مختلفة تماماً عما كانت عليه قبل الحرب.
وكما تفيد أن التدريبات الحالية داخل الخيمة وبالإمكانات البسيطة تمنحها مساحة للتخلص من الضغوط والمشاعر السلبية التي تراكمت خلال سنوات الحرب، موضحة أن حضورها إلى التدريب يساعدها على تفريغ طاقتها والتخفيف من التوتر.
وتؤكد أن العودة إلى الملاكمة بالنسبة لها ليست مجرد عودة إلى ممارسة هواية قديمة، وإنما محاولة لاستعادة جزء من حياتها التي توقفت بفعل الحرب.
وفي ذات السياق قالت إحدى المتدربات إن عودتها إلى الملاكمة جاءت هذه المرة بدافع مختلف، فهي لا تمارس الرياضة فقط من أجل اللياقة أو تطوير مهاراتها، وإنما تجد فيها وسيلة للتخفيف من الضغوط النفسية التي عاشتها خلال الحرب.
وتوضح أن ساعات التدريب تمنحها فرصة للابتعاد ولو مؤقتاً عن أجواء الخوف والقلق والضغوط اليومية، مضيفة أن ممارسة الرياضة تساعدها على استعادة نشاطها والتخلص من المشاعر الثقيلة التي رافقتها خلال الفترة الماضية.
وترى أن وجود مكان تمارس فيه الرياضة، حتى لو كان خيمة وبإمكانات محدودة، أفضل من التوقف والاستسلام للظروف، لأن الرياضة تمنحها شعوراً بالحركة والاستمرار والأمل.
ولم تعد الملاكمة بالنسبة لهؤلاء الفتيات مجرد رياضة أو منافسة، بل أصبحت مساحة للتنفيس عن الضغوط، واستعادة الثقة والطاقة، والخروج ولو لساعات من واقع الحرب وآثارها النفسية.
