على رصيف مفترق السرايا وسط مدينة غزة، يقف أبو محمود إلى جانب عربة صغيرة تحمل أصنافًا من البسكويت وعلب المشروبات الغازية، محاولًا تأمين قوت يومه واحتياجات ابنه أحمد، ولا يبدو المشهد، للوهلة الأولى، مختلفًا عن مشاهد الباعة في شوارع المدينة، لكن خلف هذه العربة حكاية أبٍ فقد زوجته وثلاثة من أبنائه، وفقد هو وطفله الوحيد المتبقي قدمَيهما في قصف إسرائيلي دمّر حياتهما.
لم يعد أبو محمود يملك بيتًا يأوي إليه أو أسرة تجتمع حوله، ولم يبقَ له سوى أحمد، الطفل الذي يبلغ 12 عامًا، ليخوضا معًا رحلة قاسية بين النزوح والفقر والإعاقة، في محاولة للتمسك بالحياة بعد أن انتزعت الحرب منهما أبسط مقوماتها.
بدأت المأساة في شمال مدينة غزة، حيث كان الرجل يعيش مع أسرته قبل أن تتعرض منطقتهم لقصف بحزام ناري خلّف شهداء وجرحى. هناك، فقد زوجته وأبناءه الثلاثة، فيما نجا هو وابنه أحمد من الموت، لكنهما خرجا بإصابات بالغة غيّرت حياتهما إلى الأبد؛ إذ فقد الأب إحدى قدميه، وفقد الطفل قدمه اليسرى.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الحياة بالنسبة إليهما كما كانت، فإلى جانب ألم الفقد والإصابة، بات عليهما مواجهة ظروف معيشية قاسية، في ظل النزوح وعدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية.
عربة صغيرة لمواجهة قسوة الحياة
كل صباح، يخرج أبو محمود إلى مفترق السرايا، حاملًا ما تيسّر له من البسكويت والمشروبات، على أمل أن يتمكن من بيع ما يكفي لتأمين احتياجاته واحتياجات ابنه.
يقضي أبو محمود وابنه ساعات طويلة على الرصيف، في عمل لم يختره بقدر ما دفعته إليه الضرورة، بعدما أغلقت الحرب أمامه أبواب الحياة التي عرفها.
لم تعد العربة الصغيرة مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل أصبحت إحدى المحاولات القليلة المتاحة للأب كي يحافظ على حياة ابنه، ويؤمّن له ما يستطيع من احتياجات يومية، في ظل غياب مصادر دخل مستقرة وصعوبة الحركة والعمل بعد الإصابة.
وعندما ينتهي يوم العمل، يعود الأب وطفله إلى خيمة مهترئة تؤويهما، لا توفر الحماية الكافية من البرد والحرارة، ولا تمنحهما الحد الأدنى من الأمان والاستقرار.
وبين الرصيف والخيمة، تتوزع أيامهما؛ ساعات طويلة في محاولة البيع، ثم عودة إلى مأوى لا يشبه البيت الذي فقداه.
ورغم ما أصابه، لا يزال أبو محمود يتطلع إلى الحصول على طرف صناعي يساعده على الحركة بصورة أفضل، ويمنحه فرصة لاستعادة جزء من قدرته على العمل والاعتماد على نفسه. فبالنسبة إليه، لا يتعلق الأمر باستعادة الحركة فحسب، بل بمحاولة استرداد شيء من حياته التي تبدلت بفعل الحرب، ومواصلة مسؤولية رعاية ابنه الذي لم يبقَ له من أسرته سواه.
غير أن أكثر ما يثقل قلبه هو رؤية أحمد يواجه المصير ذاته في عمر كان يفترض أن ينشغل فيه بالمدرسة واللعب والأصدقاء، لا بتبعات الإصابة والنزوح والبحث عن لقمة العيش.
أحمد.. حلم العودة إلى المدرسة
في الثانية عشرة من عمره، يجد أحمد نفسه بعيدًا عن تفاصيل الطفولة التي يعرفها أقرانه، فقدَ قدمه اليسرى خلال الحرب، وأصبح مضطرًا إلى التعايش مع إعاقة تفرض عليه تحديات يومية، في وقت يحتاج فيه إلى الرعاية والتأهيل وفرص التعليم واللعب.
لم تعد الشوارع بالنسبة إليه مجرد أماكن للعب أو لقاء الأصدقاء، بل باتت جزءًا من يومه الذي يقضيه إلى جانب والده، فيما يحاول الاثنان بيع ما يحملانه من بضائع بسيطة، وعلى الرصيف، تتداخل مسؤوليات الحياة مع احتياجات طفل لا يزال في عمر يحتاج فيه إلى من يهيئ له ظروفًا آمنة للنمو والتعلم.
لكن أحمد لا يطلب الكثير، حلمه، كما يبدو، بسيط بقدر ما هو بعيد المنال في ظروفه الحالية: أن يحصل على طرف صناعي يساعده على الحركة، وأن يعود إلى المدرسة، ويلتقي أصدقاءه، ويلعب ويركض مثل بقية الأطفال.
يريد دفاتر وكتبًا وملعبًا، وأيامًا لا يقضيها في انتظار بيع بعض قطع البسكويت أو علب المشروبات. يريد أن يعيش طفولته بعيدًا عن الرصيف، وألا تبقى إصابته هي العنوان الذي يختصر حياته.
فبالنسبة إلى أحمد، قد يكون الطرف الصناعي خطوة نحو استعادة استقلاليته وقدرته على التنقل، وبوابة للعودة إلى التعليم والاندماج مع أقرانه، بدلًا من أن تظل الحرب حاضرة في تفاصيل يومه، تحدد له ما يستطيع فعله وما يعجز عنه.
بين الإعاقة والنزوح.. احتياجات تتجاوز المأوى
تختصر حكاية أبي محمود وأحمد جانبًا من المعاناة التي يعيشها المصابون في قطاع غزة، حيث لا تتوقف آثار الحرب عند فقدان الأطراف أو النجاة من القصف، بل تمتد إلى صعوبة الحصول على التأهيل والأطراف الصناعية، وتأمين المأوى الملائم، وتوفير مصادر الدخل والرعاية اللازمة لاستكمال الحياة.
وفي حالة الأب وطفله، تتضاعف هذه التحديات؛ فالإصابة التي غيّرت قدرتهما على الحركة تتزامن مع فقدان الأسرة والنزوح والعيش في خيمة متهالكة، فيما يضطر الأب إلى العمل على الرصيف رغم إعاقته، لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
لا يتعلق احتياجهما بطرفين صناعيين فحسب، بل بمنظومة من الرعاية والدعم تتيح لهما استعادة القدرة على الحركة والعمل، وتمنح أحمد فرصة للعودة إلى المدرسة وممارسة الأنشطة المناسبة لعمره، وتوفر لهما مأوى يحفظ كرامتهما ويحميهما من الظروف الجوية القاسية.
وبينما يواصل أبو محمود الوقوف عند مفترق السرايا، يحمل معه وجع زوجة وثلاثة أبناء فقدهم، ومسؤولية طفل لم يبقَ له من أسرته سوى والده. وإلى جواره، يتمسك أحمد بحلم أن يترك الرصيف خلفه، وأن يعود يومًا إلى المدرسة واللعب والجري مع أصدقائه.
قد تبدو أمنياته عادية في حياة الأطفال، لكنها بالنسبة إليه أصبحت هدفًا ينتظر فرصة لتحقيقه. فكل ما يريده ليس حياة استثنائية، بل فرصة عادلة لاستعادة جزء من طفولته، وألا تكون الخيمة سقفًا لأحلامه، أو الرصيف المكان الذي تُختصر فيه أيامه.
