قبل واحد وثلاثين عاماً بالتمام والكمال، أطلق عملاء الموساد الإسرائيلي رصاصاتهم الغادرة على رأس الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي رضوان الله عليه أثناء سيره في أحد شوارع جزيرة مالطا، وهو الذي كان يتّخذ من هذه الجزيرة الصغيرة ممرّاً إجبارياً للتنقّل بين الدول، والتي كان يقصدها على الدوام لمعالجة قضايا شعبه المظلوم والمنكوب.
ولمن لا يعرف الدكتور الشقاقي الذي تمّ تغييب الكثير من سيرته وأفكاره عن سابق قصد وترصّد، كما هو الحال بالنسبة للعديد من أفذاذ وعظماء هذه الأمة، فهو الأمين العام المؤسس لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي تُعتبر أحد أهم حركات التحرّر الوطني في فلسطين، وفي عالمنا العربي والإسلامي، بل ويمكن تصنيفها بأنها صاحبة السبق في انتقال معظم الحركات الإسلامية التقليدية إلى مربّع الكفاح والنضال ضد أعداء الأمة، بعد أن كانت هذه الحركات تعتمد مبدأ التربية طويل الأمد، وترفض الخوض في معترك العمل الجهادي لأسباب لا داعي لذكرها في هذه العجالة.
يمكن النظر إلى فكر الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي بأنه عبارة عن مزيج فريد من الفكر القومي، والوعي الإسلامي الثوري، والاعتقاد التام والحاسم بضرورة تحرير فلسطين باعتبارها القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، وأنّ هذه القضية يجب ان تُقدّم على ما سواها من قضايا، خصوصاً تلك التي تزيد من فرقة الأمة وتناحرها، وضياع مقدّراتها وإمكانياتها في معارك وحروب لا تخدم سوى أعدائها القريبين والبعيدين.
لقد كان واضحاً وجليّاً إيمان الشهيد الشقاقي بأنّ أيّ عمل وطني أو إسلامي لا يضع فلسطين على رأس أولوياته هو عمل ناقص، كما آمن بضرورة نقل الإسلام السياسي من مرحلة الانتظار والتربية الطويلة إلى موقع الاشتباك مع العدو من خلال الجهاد والكفاح المسلح، وأنّ هذا الجهاد والكفاح يجب أن يبدأ على الفور من دون انتظار توازن القوى، أو سدّ الخلل في القدرات والإمكانيات، وفي هذا الإطار كان يقول رضوان الله عليه: "إنّ الثورة عمل غير مؤجّل، وإنّ الواجب فوق الإمكان".
من أهمّ ما كان يميّز أفكار ومواقف الشهيد الشقاقي رضوان الله عليه دعوته إلى وحدة الأمة العربية والإسلامية بكلّ طوائفها وانتماءاتها الحزبية والعرقية والمذهبية، وأنّ هذه الوحدة يجب ألّا تتأثّر ببعض الاختلافات السطحية التي حاول الأعداء منذ زمن طويل النفخ فيها، وتحويلها إلى عامل تفجير وتوتير للعلاقات والوشائج الأخوية التي يجب أن تجمع الأمة على قلب رجل واحد، بعيداً عن التكفير والتخوين.
في هذا الإطار تحديداً كان الدكتور الشهيد يدعو إلى وحدة إسلامية شاملة، تجمع بين جناحيها كلّ مكوّنات الأمة، مع ضرورة تأخير الخلافات إلى مرحلة لاحقة، والعمل فيما يتفق عليه الجميع بما يصبّ في مصلحة شعوب هذه الأمة الغارقة في مروحة واسعة من الأزمات والمشكلات.
العلاقة بين الطائفتين الكريمتين السنّة والشيعة استحوذ على جزء كبير من فكر الشهيد الشقاقي، وهو الذي كان يرى أنّ وحدة هاتين الطائفتين تُعدّ أمراً بالغ الأهمية ولا سيّما في زمن ازادت فيه الفتن، واشتعلت فيه العديد من الحروب الطائفية بتحريض من قوى الشر العالمي، والتي كانت على الدوام تحرّض وتشجّع المتطرّفين من الجانبين، وتوفّر لهم دعماً مالياً وإعلامياً نوعياً، وهو الأمر الذي أسهم في سقوط مئات الآلاف من أبناء هذه الأمة على مذبح هذه الحرب اللعينة.
بناء عليه فقد كان موقف الشقاقي مميّزاً ومتفرّداً في النظر للثورة الإسلامية في إيران، والتي تمكنّت بعد سنين من العطاء والبذل، وتقديم آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين من إسقاط الشاه، والذي سقط إلى جانبه أكبر الأنظمة العميلة المتعاونة والمتحالفة مع رأس الشر في العالم الولايات المتحدة الأميركية، وربيبتها في المنطقة "إسرائيل".
قد يقول البعض لماذا نشير إلى موقف الدكتور الشقاقي من إيران على الرغم من وجود الكثير من المواقف الأخرى التي يمكن الإشارة إليها في ذكرى استشهاده، وقد يقول آخرون لماذا هذه القضية بالذات مع أنّ هناك قضايا أولى وأكثر أهمية تخصّ الشعب الفلسطيني على وجه التحديد، وهو الشعب الذي بذل الشقاقي روحه ثمناً للدفاع عن قضيته المحقّة والمشروعة، والتي تعرّضت وما زالت لمجموعة واسعة من العواصف والأزمات، وباتت تمر في وقتنا الحالي بظروف استثنائية غير مسبوقة بفعل العدوان الإسرائيلي المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وفي حقيقة الأمر فإنّ التذكير بموقف الشقاقي من إيران في هذه الفترة بالذات يأتي لأسباب عديدة؛ أولها أنّ الشقاقي كان متفرّداً في هذا الموقف فلسطينياً على أقل تقدير، إذ لم يذهب أحد من الفلسطينيين لمثل هذا الموقف الداعم والمؤيد للثورة الإسلامية الإيرانية خصوصاً في سنواتها الأولى، وهذا الأمر كانت له أسباب عديدة وكثيرة منها الاصطفاف الطائفي، والأجندة السياسية الضيّقة، إلى جانب ارتهان البعض لموقف بعض الدول العربية والإسلامية ولا سيّما الخليجية منها.
وثانيها أنّ نظرة الشقاقي لإيران الثورة والتي كلّفته وحركته داخلياً وخارجياً الكثير بانت صحّتها وصوابيّتها، بل أنّ الكثير ممن عادوه في أوقات سابقة بسبب هذ النظرة لحقوا بركبه لاحقاً، ونسجوا علاقات قويّة مع إيران فاقت في بعضها علاقات حركة الجهاد نفسها.
إضافة إلى السببين السابقين، فإنّ إيران تُعتبر اليوم في ظل المعركة الدائرة بينها وبين محور الشر، وما تشهده المنطقة والعالم من تطورات وأحداث تُلقي بظلالها على الجميع، تُعتبر مركز الثقل في المنطقة إن لم يكن في العالم، ولا سيّما وهي تمسك بكثير من خيوط القوة العسكرية والاقتصادية العالمية، وتمتلك مجموعة واسعة من الأدوات والقدرات وضعتها في مصاف الأكثر تأثيراً على الصعيد الإقليمي والعالمي.
نظر الشهيد فتحي الشقاقي إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعد الثورة بأنها تشكّل نموذجاً ثورياً مُلهماً، وخياراً يمكن بل من الواجب الاحتذاء به، كيف لا وهي التي أثبتت من خلال ثورتها المجيدة قدرة الشعوب على إسقاط الطغاة، وقدرة الزعماء المؤمنين والرساليين على إحداث تغييرات حقيقية تؤدي في بعض نتائجها إلى نشوء حالة من الوعي الشعبي الواسع، وإلى نضوج بيئة مناسبة لإحداث "انقلاب" على الأنظمة الفاسدة والشرّيرة، والتي لم تكن يوماً إلا صدى لقوى الشر في العالم، وسوطاً غليظاً لخدمة أهدافها الإجرامية.
رأى الشهيد الشقاقي في الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني رضوان الله عليه تحوّلاً تاريخياً كبيراً يُعيد الإسلام الثوري إلى واجهة الصراع، واعتبر هذه الثورة والدولة التي نشأت على أثرها السند الحقيقي والداعم الأبرز للقضية الفلسطينية، التي عانت الكثير من التهميش والنسيان، ولم تجد في الأنظمة العربية آنذاك سوى حالة صوتية لا تقدّم ولا تؤخّر.
يمكن الإشارة إلى موقف الدكتور الشقاقي رضوان الله عليه من الثورة الإسلامية في إيران، والذي انعكس على علاقته بعد ذلك بالدولة والنظام الإسلامي الإيراني من خلال ثلاثة أبعاد أساسية، شكّلت وما زالت العمود الفقري لموقف حركة الجهاد من كل القضايا القريبة والبعيدة، وتركت أثراً مباشراً على علاقة الحركة بالكثير من القوى المحلية والإقليمية.
أولى هذه الأبعاد هو البعد الإسلامي، والذي كان حاسماً لناحية إعجاب الشهيد الشقاقي بالثورة الإسلامية الإيرانية، والتي جاءت في ظروف بالغة الدقّة والتعقيد على صعيد المنطقة، إذ حازت الخلفية الإسلامية الثورية لقيادة الثورة والجماهير التي التفّت من حولها على إعجاب الشهيد أبو إبراهيم ،خصوصاً وأنّ هذا النموذج الفريد نقل الإسلام السياسي من مرحلة التنظير والتأطير،إلى مرحلة الفعل والتأثير ،ومن المراقبة والانتظار ،إلى التحرّك والانتصار ،وهو أمر بدا للبعض في تلك الفترة بأنه مغامرة غير محسوبة العواقب ،ولن تُحدث التغيير المنشود الذي يُراد الوصول إليه.
الشقاقي من جانبه بما كان يملك من فراسة ونظرة ثاقبة، ووعي وإدراك لحركة التاريخ والتحوّلات الناتجة عنها رأى غير ذلك، وأدرك منذ اللحظة الأولى أنّ هذه الثورة مختلفة عن غيرها من الثورات ذات المرجعيّات الاخرى، وأنها ستشكّل أعظم ثورة في التاريخ المعاصر، وستترتّب عليها تحوّلات كبرى على صعيد المنطقة والعالم، وهو ما بتنا نراه اليوم بالعين المجرّدة بعد أن شكّك به الكثيرون خلال السنوات الماضية.
البعد الثاني كان بُعداً إنسانياً وأخلاقيا خالصاً، إذ رأى الدكتور الشقاقي أنّ الانحياز للمظلومين والمستضعفين الذين يواجهون قوى الفساد والإجرام أمر لا مفر منه، وهو موقف انسحب على نظرة الشهيد من القضايا العالمية كافة، بغض النظر عن الانتماءات المذهبية، أو الرؤى السياسية.
في الحالة الإيرانية اعتقد الدكتور الشقاقي أنّ الوقوف في وجه نظام الشاه الفاسد والمجرم، والتصدّي له من خلال الثورة الشعبية الجارفة أمر يستحقّ الإشادة، ولم لا الاحتذاء به أيضاً، خصوصاً وأنّ الأمة كانت في تلك الفترة تعاني من أنظمة دكتاتورية متجبّرة كما هو حالها الآن، وأنّ التعامل مع هذه الأنظمة ببراغماتية مُفرطة سيؤدي إلى مزيد من الفساد، وإلى مزيد من الظلم والإجحاف بحق الشعوب المقهورة.
انطلق الدكتور الشقاقي في نظرته هذه من الآية الكريمة التي تقول: "ونريد أن نمنّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين"، وهي آية لطالما استخدمها وذكّر بها في إطار إشارته لكيفية التعامل مع الأنظمة الفاسدة، وضرورة مجابهتها ومقاومتها بغض النظر عن الخلل في الإمكانيات، أو التداعيات والنتائج التي يخشى الكثيرون منها.
الشقاقي الذي كان يفهم جيداً معنى هذه الآية، ويدرك السياق الذي جاءت فيه، كان يُدرك أنّ أيّ تحرّك لا يحظى برعاية وتأييد إلهيين، لا يمكن له أن ينجح أو ينتصر، وأنّ الركون إلى عناية الله، والرضى والتسليم بقضائه أمران ضروريان لمن أراد أن يسلك هذا الطريق المحفوف بالمكاره والتضحيات من كل اتجاه.
وبناء عليه نظر الشهيد الشقاقي إلى الثورة الإسلامية الإيرانية في إيران بأنها ثورة المستضعفين على الظلم، وانتفاضة المؤمنين على أتباع الشيطان، وأنّ الانحياز لها وتأييدها هو انحياز لتكليف رباني واضح لا لبس فيه، وأنّ إدارة الظهر لهذا النوع من الثورات، والتشكيك بصوابيّة أهدافها هو أمر مخالف للفطرة الإنسانية السليمة التي فطر الله الخلق عليها.
أما البعد الثالث الذي شكّل موقف الشهيد فتحي الشقاقي من الثورة الإسلامية في إيران فقد كان بعداً ثوريّاً خالصاً، أظهر من خلاله رفضه التصدّي لقوى الشر بالطرق التقليدية القديمة، والتي كان البعض حتى من الإسلاميين يعتقد بأنه أقل كلفة من خيار المواجهة، إذ اعتقد الشقاقي بأنّ اللجوء إلى مهادنة الأنظمة والقوى الظالمة من دون وجود خطة حقيقية للثورة عليها، وإسقاطها يمكن أن يرفع من مستوى الخسائر لدى الشعوب المقهورة، وأنّ الصبر على تضحيات المواجهة مع قوى الظلم أقل وطأة بكثير من الصبر على الخسائر الناتجة عن استمرار مهادنتهم والركون إلى حكمهم الفاسد والشرّير.
في المقدّمة من تلك الأنظمة التي كان يدعو الشهيد الدكتور لمواجهتها والتصدّي لها كان النظام الصهيوني الفاسد والمجرم، والذي منذ نشأته اعتمد على القتل والإجرام كوسيلة أساسية لقهر خصومه سواء كانوا في فلسطين التي احتلها بالقوة الغاشمة، أو في محيطه القريب، والذين لم يسلموا من عدوانه المستمر الذي لم يتوقّف حتى وقتنا الحالي.
لقد رأى الشهيد الشقاقي في الثورة على نظام الشاه نموذجاً يجب الاحتذاء به في مواجهة الإجرام الصهيوني، وأنّ هذه المواجهة يجب أن تبدأ على الفور وبأقل الإمكانيات المُتوفرة، وبغضّ النظر عن الخلل الهائل في القدرات لصالح العدو، إذ إنّ تفجير الصراع معه، وإدامة استنزافه حتى لو كان بإمكانيات ضعيفة ومُتواضعة يمكن أن يحرّك المياه الراكدة في صفوف الأمة، ويمكن أن يُعيد للقضية الفلسطينية ألقها الذي خبا بفعل سياسات الاحتلال، وبفعل عجز وتواطؤ الكثير من الأنظمة العربية والإسلامية.
انطلاقاً من هذا الفهم الذي حمله الشهيد الشقاقي، وبعد وقت ليس بالطويل بعد انتصار الثورة الإيرانية قام رضوان الله عليه بوضع النواة الأولى لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بداية ثمانينيات القرن الماضي، والتي وإن تمّ التأريخ لانطلاقتها الجهادية في العام 1987 لأسباب معيّنة، إلا أنّ فعلها الحقيقي على الأرض في مواجهة العدو الصهيوني قد بدأ قبل ذلك بأربع أو خمس سنوات كما تشير العديد من الأحداث والوقائع.
على كل حال قد يبدو من الظلم حصر موقف الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي من الثورة الإسلامية في إيران في هذه الأبعاد الثلاثة المُشار إليها أعلاه، إذ إنّ هناك الكثير من الأبعاد والرؤى الأخرى التي شكّلت هذا الموقف المتقدم والفريد من نوعه، إلا أنّ العجالة التي نكتب فيها، ونستذكر من خلالها بعض سيرته العطرة في ذكرى عروجه إلى العلا، تجعلنا نكتفي بذلك، آملاً أن نكتب المزيد سواء عن فكر الشهيد الكبير أو عن تاريخه الجهادي الذاخر في أوقات أخرى غير بعيدة بإذن الله.
ختاماً نذكّر ببعض أبيات الشعر التي كتبها الشهيد رضوان الله عليه، والتي نُهديها لأهلنا في خليل الرحمن البطلة، الذين لم يسعفنا الوقت للكتابة عنهم في ظل ما يتعرّضون له من ظلم وإجرام، علّها تكون بلسماً شافياً يُداوى بعض جراحهم وتضحياتهم.
يا جُرحَ تفتَّح يا جرح، يا أهلي هاتوا الملح، حتى يبقى حيّاً هذا الجُرح، حتى يبزغ من ظُلم الليل الصبح، لن أغفرها لك، تلعنني أمي إن كنتُ غفرت، تلفظني القدس إن كنتُ نسيت، تلفظني الفاء، تلفظني اللام، تلفظني السين، تلفظني الطاء، تلفظني الياء، تلفظني النون، تلفظني كلّ حروفك يا وطني المغبون، إن كنت غفرت أو كنت نسيت.
