منير رشيد
عضو الأمانة العامة للمؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج
في الثاني من تشرين الثاني عام 1917 أصدرت بريطانيا ما عُرف بوعد بلفور، متجاهلةً حق الشعب الفلسطيني صاحب الأرض والمقيم فيها من تقرير مستقبله السياسي وحقه في تقرير مصيره الوطني، ومعلنةً دعمها لإقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين.
إن هذا التصريح أو الوعد لم يكن مجرد رسالة سياسية، بل أصبح أساسًا لسياسة دولية أسهمت في مسار القضية الفلسطينية أرضًا وشعبًا وجغرافياً أدت إلى تهجير شعب من أرضه إستبدلتهم بآخرين من اليهود من شتى بقاع الأرض بدلاً منهم.
من المؤكد أن هذا الوعد أياً كانت دوافعه وبواعثه، إلا أنه لا ينسجم مع القانون الدولي ابتداءً ومع النظام العام سواء سعي بريطانيا إلى توسيع نفوذها في فلسطين ومحيطها نظراً إلى موقعها وأهميته من طرق الاتصال بالمستعمرات ولا سيما الطريق إلى الهند وقناة السويس، أو ارتباط الوعد بحسابات القيادة البريطانية خلال الحرب واعتقاد مسؤوليتها أن دعمهم للمشروع الصهيوني يخدم مصالح بريطانيا في الصراع الدولي، إلا أن هذا الإعلان والوعد والمتعلق بمستقبل فلسطين دون استشارة أهلها بل عنوةً وظلماً واكتفى نص الوعد بالإشارة إلى الحقوق المدنية والدينية للجماعات غير اليهودية من دون الاعتراف بحقوقهم السياسية والقومية والوطنية وتجاهلت تماماً حق الشعب الفلسطيني وكأن فلسطين أرض بلا شعب.
على الرغم من صدور الوعد في صورة رسالة سياسية من وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، لكنه اكتسب أهمية قانونية وسياسية وأدرجت سياسته في صك الانتداب، والذي ألزم الدولة المنتدبة بتطبيقها مع النص على حماية الحقوق الدينية والمدنية لجميع السكان بدون الإشارة إلى الحقوق السياسية، وبهذا تم تجاهل الإرادة السياسة للفلسطينيين وعدم الاعتراف بحقهم في تقرير مستقبلهم الوطني ويكشف هذا التفاوت خللاً جوهرياً إذ لا تستقيم حماية الأفراد مع تجاهل حق شعب كامل صاحب الأرض من المشاركة في تقرير مستقبله بكل جوانبه.
من المؤكد أن الاحتلال البريطاني لفلسطين عام 1917 تلاه الانتداب 1923 هو الذي منح المشروع الصهيوني غطاءً ودعماً، مما أثر بشكل واضح في التطورات الديمغرافية والسياسية والمؤسسية في فلسطين، وشجع هجرة مئات الآلاف من اليهود وبناء المستعمرات ومد سكانها بالمال والتدريب والعتاد وتأسيس العصابات المسلحة، في الوقت ذاته حُرم الفلسطينيون من التصدي لهذا المشروع وملاحقتهم بالسجن والاعتقال والمحاكمات الصورية والتي تفضي إلى الإعدام عدا عن اتخاذ الوسائل والإجراءات لتدمير الاقتصاد الفلسطيني.
في التاسع والعشرين من نيسان عام 1948 أنهت بريطانيا انتدابها لفلسطين بعد أن هيأت كافة الوسائل والسبل والإمكانات والأدوات لقيام دولة الاحتلال متزامناً مع إضعاف إمكانات الشعب الفلسطيني من مقاومة هذا المشروع الطارئ والغريب، ومكنت العصابات الصهيونية المنظمة والمسلحة والمدربة القيام بمجازر في القرى والبلدان الفلسطينية ودفعت سكانها قسراً إلى هجر منازلهم وممتلكاتهم وحرمانهم من حق العودة لاحقاً.
إن ما حصل لفلسطين وأهلها منذ احتلال بريطانيا لم يقتصر على تلك الفترة أو فترة انتدابها، إنما لازالت آثار ذلك الوعد المشؤوم إلى يومنا ولا تزول آثارها إلا بعودة أصحابها إليها وطناً ودولةً وإدارةً.
ينبغي على بريطانيا تقديم اعتذار رسمي للشعب الفلسطيني ليمثل هذا الاعتذار خطوة سياسية وأخلاقية، ومدخلاً للحل والعودة وتحويل الاعتذار بالخطأ إلى التزام فعلي بالإنصاف بعد ما يزيد عن قرن من الظلم، كما أن العدالة لا تكتمل كذلك بالاعتراف بالخطأ، بل تحويله إلى فعل.
إن إنصاف الشعب الفلسطيني ليس منّةً من أحد أو ورقة تفاوض بل هو استحقاق قانوني وإنساني وسياسي يرتبط بحقه من العودة والحرية وإقامة دولته وإدارة شؤونه.
ختاماً، إن جوهر الصراع يتمحور حول الأرض والسلطة والهويّة ، ولن يغير وعد بلفور حقائق التاريخ والجغرافيا، ولن يمنح باطلاً شرعية مهما طال الزمن، وسيظل الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده متمسكاً بحقه التاريخي والقانوني في العودة إلى دياره وطنه، والعيش على أرضه بحرية وكرامة، وإدارة شؤونه بنفسه، ونيل استقلاله وإقامة دولته المستقلة، فحقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم، والحق الفلسطيني لا يمحوه وعد باطل ولا تسقطه موازين القوة .
