لم تعد أزمة الوقود في قطاع غزة تقتصر على صعوبة تشغيل السيارات أو توفير احتياجات التنقل، بل امتدت إلى المطاعم والمنازل، وفرضت على المواطنين البحث عن بدائل غير مألوفة لمواصلة حياتهم اليومية. ومع شحّ البنزين والسولار والغاز، لم يعد زيت الطعام مجرد مادة تُستخدم في إعداد الوجبات، بل أصبح لدى بعض المواطنين وسيلة بديلة لتشغيل السيارات وإشعال النار والطهي، في محاولة للتأقلم مع واقع تزداد فيه صعوبة الحصول على الوقود.
من سيارة الأجرة إلى زيت القلي.
لم يكن أمام عمرو فروانة، سائق سيارة أجرة من نوع "سكودا" خيارات كثيرة لمواصلة عمله في ظل أزمة الوقود، فاضطر إلى اللجوء إلى زيت القلي بديلًا عن السولار، رغم إدراكه للأضرار التي قد تلحق بسيارته نتيجة استخدامه.
يقول فروانة إن استخدام الزيت لم يكن خيارًا يرغب فيه، لكنه أصبح مضطرًا إليه حتى يتمكن من الاستمرار في العمل وتأمين احتياجات أسرته.
ويضيف: "أكيد هاد بخرب الماتور وبخرب السيارة كلها، بس إيش بدنا نعمل؟ والله بيومي كله بطلعش حق لتر البنزين. إحنا بنشتغل طول النهار عشان نقدر نوفر مصروف البيت، وإذا ما اشتغلناش من وين بدنا نجيب"
ويجد فروانة نفسه أمام معادلة صعبة، فاستمرار استخدام الزيت قد يعرّض سيارته للأعطال، والتوقف عن العمل يعني خسارة مصدر رزقه الوحيد.
استخدام الزيت ليس حلًا آمنًا للمحركات
لكن ما يراه السائق ضرورة لمواصلة عمله، يثير مخاوف فنية تتعلق بسلامة المركبات. ويوضح الميكانيكي ناهض عويضة أن زيت الطعام يختلف في خصائصه عن السولار، ولا يمكن التعامل معهما باعتبارهما مادة واحدة، إذ إن استخدام زيت القلي مباشرة في محركات غير مهيأة له قد يتسبب في مشكلات فنية وأعطال في منظومة الوقود.
وتشمل المخاطر المحتملة انسداد الفلاتر والحاقنات، وصعوبة تشغيل المحرك، وتراجع كفاءته، فضلًا عن ارتفاع تكاليف إصلاحه مع استمرار الاستخدام غير الملائم.
وتكشف هذه المخاطر جانبًا من المعاناة التي يعيشها أصحاب المركبات، الذين يجدون أنفسهم مضطرين للموازنة بين الحفاظ على سياراتهم والحاجة إلى مواصلة العمل في ظل محدودية البدائل.
72 لترًا يوميًا في مطعم أبو طه.
ومن السيارات إلى المطاعم، حيث تبدأ حكاية زيت القلي قبل وصوله إلى خزّانات بعض المركبات أو مواقد الطهي.
في مطعم أبو طه للفلافل في خان يونس، يُستهلك نحو 72 لترًا من زيت القلي يوميًا، وهي كمية كبيرة ترتبط بطبيعة العمل والطلب اليومي على الوجبات.
لكن استخدام الزيت لا ينتهي بانتهاء عملية القلي، إذ يُعاد الاستفادة من الزيت المستعمل في إشعال البابور، بدلًا من التخلص منه، ليؤدي وظيفة أخرى في ظل أزمة الوقود.
وهكذا، لا يقتصر التعامل مع الزيت داخل المطعم على استخدامه في إعداد الطعام، بل يمتد إلى الاستفادة منه بعد انتهاء الغرض الأساسي منه، في محاولة لتوفير بديل يساعد على استمرار العمل وتقليل الاعتماد على الوقود المتاح.
في المنازل زيت القلي لإشعال النار.
ولا تتوقف استخدامات زيت الطعام عند المطاعم والسيارات، بل تصل إلى المنازل التي تواجه بدورها صعوبة في توفير الوقود اللازم لإعداد الطعام.
وتقول ربة المنزل (ع. م) إن نقص الخشب والوقود يدفعها أحيانًا إلى استخدام زيت القلي للمساعدة في إشعال النار.
موضحة: "أحيانًا ما بكون في خشب أو وقود كافي لطهي الطعام، فبحط شوية زيت قلي وبتولع النار على طول. إحنا بنحاول ندبّر حالنا بالمواد الموجودة عنا، لأنه بالنهاية لازم نعيش ، وما فينا نضل نستنى لحد ما يتوفر الوقود".
وتعكس تجربتها جانبًا من التغييرات التي فرضتها أزمة الوقود على تفاصيل الحياة الغزية، حيث لم يعد إعداد الطعام مهمة يومية بسيطة، بل أصبح يتطلب البحث المستمر عن وسائل بديلة تساعد الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية.
وهكذا، لم يعد زيت الطعام في غزة مجرد مادة تنتهي مهمتها بانتهاء الطهي، بل أصبح شاهدًا على واقع فرض على المواطنين البحث عن بدائل في كل تفاصيل حياتهم. فمن مقلاة الفلافل إلى خزّانات السيارات ومواقد المنازل، تتعدد استخداماته وتبقى الحكاية واحدة، أناس يحاولون التكيّف مع شحّ الوقود بما هو متاح، حتى باتت أبسط احتياجات الحياة اليومية معركة جديدة لتأمين أسباب الاستمرار.
