غزة

26°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

مفاجآت غير سارة لترامب ونتنياهو

مصطفى إبراهيم
بقلم الكاتب والمحلل السياسي| مصطفى إبراهيم

لا عزاء لحلفاء ترامب ونتنياهو من العرب، فما زال الطريق طويلاً، ومن المبكر الحديث عن نهاية زمن ترامب، الذي لا يزال يمتلك صلاحيات واسعة وأدوات قوة متعددة، من بينها حق النقض (الفيتو)، فضلاً عن قدرته على التأثير في السياسات الأميركية. لكن نتائج الانتخابات النصفية تمثل جرس إنذار له ولحلفائه، وتكشف أن نفوذه ليس مطلقاً، وأن سياساته الداخلية والخارجية يمكن أن تواجه مقاومة متزايدة. وهو ما يفترض أن يدفع من راهنوا عليه وانجرفوا خلف سياساته إلى مراجعة خياراتهم، قبل أن يدفعوا أثماناً سياسية واستراتيجية باهظة.

فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، في مواجهة الجمهوريين بزعامة ترامب، يشكل ضربة سياسية كبيرة للرئيس الأميركي، ويضع سياساته الداخلية والخارجية أمام اختبار صعب. ولن تقتصر التداعيات المحتملة على إيران وفلسطين وإسرائيل والمنطقة العربية، بل قد تمتد إلى ملفات دولية أخرى. ومع ذلك، لا تعني هذه النتائج تحولاً فورياً في السياسة الأميركية، لكنها تقلّص هامش المناورة أمام ترامب، وتمنح الديمقراطيين أدوات أوسع لعرقلة تشريعاته ومراقبة إدارته وفتح التحقيقات بشأنها.

وتكمن أهمية هذه النتائج أيضاً في أنها تكشف حدود قدرة ترامب على تحويل نفوذه السياسي إلى تأييد انتخابي، وتبعث برسالة إلى حلفائه بأن الرهان على بقائه قوياً من دون مساءلة ليس مضموناً.

في إسرائيل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً، إذ تتزامن خسارة الجمهوريين في الولايات المتحدة مع مأزق نتنياهو بعد الانتخابات الإسرائيلية. فرغم تقدم الليكود وحصول معسكر نتنياهو على 53 مقعداً، لم يتمكن من تأمين الأغلبية المطلوبة لتشكيل الحكومة، فيما حصلت القوائم العربية على 19 مقعداً، وهو إنجاز انتخابي يمنحها وزناً حاسماً في الحسابات البرلمانية، رغم إصرار أحزاب صهيونية في معسكر المعارضة على استبعادها من أي ائتلاف حكومي.

وقد تجد إسرائيل نفسها أمام تداعيات إضافية إذا قررت الإدارة الأميركية الجديدة في ظل الأغلبية الديمقراطية استخدام أدوات الرقابة البرلمانية لتقييد بعض سياسات ترامب تجاه إسرائيل، أو إعادة فتح النقاش بشأن الدعم العسكري والسياسي غير المشروط لها.

فنتنياهو، الذي راهن طويلاً على علاقته الشخصية بترامب وانحاز إلى الجمهوريين، ساهم في إضعاف تقليد إسرائيلي راسخ يقوم على الحفاظ على علاقات وثيقة مع الحزبين الأميركيين. ولا يعني ذلك أن الديمقراطيين سيتجهون تلقائياً إلى تغيير جذري في سياسة واشنطن تجاه إسرائيل، لكنه يضع هذه العلاقة أمام اختبار سياسي أكثر صعوبة.

غير أن الخطر الأكثر إلحاحاً في إسرائيل لا يتعلق بالعلاقة مع واشنطن وحدها، بل بمحاولات التشكيك في نتائج الانتخابات وشرعيتها. فبدلاً من التعامل مع عجز معسكر نتنياهو عن الحصول على الأغلبية باعتباره نتيجة سياسية يتعين التعامل معها، تتصاعد الاتهامات بشأن تدخل أجنبي مزعوم في الانتخابات، مع تركيز خاص على تصويت المواطنين العرب.

وفي هذا السياق، يسعى رئيس الشاباك، دافيد زيني، إلى توسيع التحقيق واستخدام صلاحيات أمنية استثنائية، بما في ذلك التحقيق مع قيادات من الأحزاب العربية، فيما تعترض المستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، على استخدام هذه الصلاحيات من دون أدلة تبرر الاشتباه بارتكاب جرائم أمنية.

وتزداد خطورة القضية مع الاتهامات الموجهة إلى زيني بالتصرف كأداة أمنية في خدمة أجندة سياسية، ومحاولة منع الشرطة والنيابة العامة من الاطلاع على مواد التحقيق، بما يثير تساؤلات جدية بشأن استقلالية الجهاز الأمني وحدود صلاحيات رئيسه.

ويبدو سلوكه، وفق هذه الانتقادات، أقرب إلى منطق الأنظمة السلطوية التي تضع الأجهزة الأمنية فوق الرقابة القانونية، لا إلى سلوك مؤسسة يفترض أن تعمل في إطار القانون وتحت رقابة المؤسسات المختصة.

وفي المقابل، شدد رئيس لجنة الانتخابات المركزية، القاضي نوعام سولبرغ، على أن الطعن في نتائج الانتخابات يستوجب أدلة راسخة، وأن مجرد وجود شبهات لا يكفي لإثبات وقوع تزوير أو المساس بشرعية النتائج.

ويكشف هذا الخلاف عن أزمة تتجاوز التحقيق نفسه، إلى حدود استقلال المؤسسات الأمنية والقضائية، وإمكانية توظيفها في الصراع السياسي. فحين تتحول أصوات الناخبين العرب إلى موضع اشتباه أمني لمجرد أنها أسهمت في حرمان معسكر اليمين من الأغلبية، يصبح الأمر تهديداً لحقوقهم السياسية ولمبدأ المساواة في المواطنة، فضلاً عن كونه محاولة لنزع الشرعية عن نتائج لا تخدم نتنياهو.

ولا يمكن الجزم بأن إسرائيل تتجه إلى تكرار سيناريو اقتحام أنصار ترامب مبنى الكونغرس الأميركي عام 2021، أو إلى مواجهة داخلية تصل إلى حد الحرب الأهلية.

لكن تصاعد التشكيك في الانتخابات، وتسييس المؤسسات، والتحريض على المواطنين العرب، كلها مؤشرات على مسار خطير قد ينقل الصراع من التنافس على تشكيل الحكومة إلى الصراع على شرعية الانتخابات والمؤسسات نفسها.

المفاجأة غير السارة لترامب ونتنياهو ليست في خسارة انتخابية أو تعثر في تشكيل حكومة فحسب، بل في انكشاف حدود القوة التي استندا إليها.

أما الأخطر، فهو أن يتحول العجز عن كسب الأغلبية إلى محاولة لتقويض شرعية من فازوا بأصوات الناخبين، وأن يدفع المواطنون العرب ثمن صراع اليمين الإسرائيلي على السلطة.

هذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل أيضاً إلى حلفاء ترامب ونتنياهو في المنطقة العربية: الرهان على القوة وحدها لا يضمن الاستمرار، والتماهي مع سياسات لا تحظى بإجماع داخلي أو دولي قد يتحول إلى عبء سياسي واستراتيجي باهظ الثمن.

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".