لم تأت نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية الأخيرة مفاجئة لمن قرأ المشهد جيداً. كانت نتيجة منطقية لمسارين التقيا في نقطة واحدة: سياسة داخلية حمقاء، وزلزال خارجي اطلقته معركة طوفان الأقصى.
لقد كانت معركة طوفان الأقصى أكثر من معركة. كانت قاعدة بيانات سياسية وأخلاقية وعسكرية كشفت كل المستور.
كشفت أن إسرائيل ليست القوة التي لا تُقهر، وأن منظومتها الأمنية والاستخباراتية قابلة للاختراق والانهيار. وكشفت أن الدعم الأمريكي اللامحدود لها ليس دعماً لحليف، بل هو تبعية كاملة لمشروع إمبريالي صهيوني أصبح عبئاً على أمريكا نفسها.
وفي المقابل، كشف الطوفان حجم التضامن الشعبي العالمي، من غزة إلى الجامعات الأمريكية، من الشوارع الأوروبية إلى شعوب الجنوب العالمي، الذي قال كلمته: كفى.
العلو الكبير.. ثم الانهيار
الإمبريالية والصهيونية علت في السنوات الأخيرة علواً كبيراً. علت في القتل، وفي الحصار، وفي الاستعلاء، وفي الدعم السياسي والمالي والعسكري من واشنطن، وفي محاولة فرض روايتها على العالم كله.
لكن قانون التاريخ يقول: كل قوة ظالمة تبلغ ذروة علوها، تكون قد بدأت العد التنازلي لانهيارها. واليوم نرى هذا الانهيار يتجلى أخلاقياً أولاً، ثم سياسياً، ثم انتخابياً.
لقد سقطت الصورة، وسقطت الرواية، وسقط القناع عن "الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، وظهرت الحقيقة كما هي: مشروع استعماري إحلالي مدعوم من إمبريالية متغطرسة.
لماذا خسر البرتقالي؟
خسر الرئيس الأمريكي وحزبه في الانتخابات النصفية لأن الشعب الأمريكي نفسه ضاق ذرعاً بسياسة البرتقالي الحمقاء في كل المجالات.
في الاقتصاد، وعود كاذبة وغلاء معيشة.
في الصحة والتعليم، تراجع وانسحاب من مسؤوليات الدولة.
في الهجرة، تحريض وانقسام.
في السياسة الخارجية، عزلة وحروب بالوكالة ودعم أعمى لحرب إبادة في غزة كلفت أمريكا سمعتها ومالها ومكانتها.
الشعب الأمريكي لم يصوت فقط ضد حزب، بل صوت ضد نهج كامل حوّل أمريكا إلى دولة منقسمة، خائفة، معزولة، تُدار بالصراخ والتهديد.
الطوفان كان حاضراً في صناديق الاقتراع
ومن الخطأ الفصل بين ما حدث في غزة وبين ما حدث في صناديق الاقتراع الأمريكية.
الطوفان كان حاضراً. كان حاضراً في وعي الشباب الأمريكي الذي تظاهر في الجامعات، وكان حاضراً في وعي الناخب الذي رأى أموال ضرائبه تُحول إلى قنابل تُلقى على الأطفال، وكان حاضراً في انكشاف حقيقة أن دعم إسرائيل بهذا الشكل الأعمى يضر بمصالح أمريكا نفسها.
لهذا، فإن نتائج الانتخابات النصفية هي رد شعبي أمريكي على سياسة داخلية فاشلة، وتداعٍ مباشر لطوفان الأقصى الذي أيقظ الضمائر وغيّر المزاج العام.
الطوفان فضح، وسياسة البرتقالي أكملت الفضيحة.
فمن يظن أن طوفان الأقصى انتهى بانتهاء المعارك، لم يدرك حقيقة الواقع. الطوفان كان بداية مرحلة، والانتخابات الأمريكية هي أول ثمارها السياسية.
نحن أمام بداية انهيار المشروع الصهيوني الإمبريالي، لا لأنه ضعُف عسكرياً فجأة، بل لأنه فقد شرعيته الأخلاقية والشعبية، وفقد حاضنته في واشنطن، وفقد قدرته على إقناع العالم.
العلو الكبير يسبق السقوط الكبير.. والتاريخ لا يرحم، ومن يقرأ الانتخابات الأمريكية اليوم، يقرأ أول سطر في فصل الانهيار.
