لم يقتصر العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان على حصد الأرواح وتدمير المنازل وتهجير السكان الآمينين، بل امتدت نيرانه إلى الأشجار المثمرة والحقول الخضراء التي تشكل جزءا أصيلا من هوية المنطقة وذاكرتها الزراعية والاجتماعية، في استهداف يطال الإنسان والأرض وما تختزنه من تاريخ وارتباط متجذر بالمكان.
وتتعرض المساحات الزراعية في جنوب لبنان، الذي طالما عُرف بأنه سلة خضار البلاد، لاعتداءات إسرائيلية طالت أشجاره المثمرة ومصادر رزق أهله، في وقت كان فيه الجنوبيون يستعدون لموسم قطاف الزيتون، الذي لا يمثل بالنسبة إليهم مجرد موسم زراعي، بل مناسبة متوارثة تختصر حكاية الانتماء والتكافل والارتباط بالأرض.
وكأن الأشجار التي ضربت جذورها عميقا في تراب الجنوب باتت تشكل تهديدا لـ"الأمن المزعوم" للاحتلال، في مشهد يستحضر السياسات التدميرية ذاتها التي شهدها قطاع غزة، ويعكس امتداد الاعتداءات إلى مقومات الحياة والذاكرة والهوية، في محاولة لقطع الصلة بين الإنسان وأرضه وتاريخه.
ورغم الدمار والتهجير، لا يزال أهالي الجنوب يحملون في ذاكرتهم تفاصيل مواسم القطاف، ويتطلعون إلى العودة لحقولهم واستعادة طقوسهم التي حرمهم العدوان منها، وسط أمل بأن تعود أشجار الزيتون لتثمر، وأن تستعيد الأرض نبضها وأهلها.
موسم الزيتون.. حكاية عائلة وأرض
وفي حديثه لـ"وكالة شمس نيوز"، يستعيد أبو محمد بزيع، المنحدر من قرية زبقين جنوبي لبنان، ذكريات مواسم قطاف الزيتون التي كانت تجمع العائلة والجيران والأصدقاء، قائلا: "كنا في مثل هذه الأيام نتحضر مع العائلة والجيران والأصدقاء لقطف أشجار الزيتون المثمرة، وكنا ننتظر هذه الأيام على أحر من الجمر، فمنه نقطف زيتوننا للمونة وللبيع".
ويوضح أن قطاف الزيتون لم يكن مجرد عمل زراعي، بل مناسبة اجتماعية واسعة تقوم على التكافل والتعاون، إذ تجتمع العائلات والأقارب والجيران لمساعدة أصحاب الأراضي، وتتوزع المهام بينهم، من قطف الثمار وفرزها إلى نقلها وتجهيزها.
ويضيف أبو محمد، مستذكرا دفء تلك الأيام، أن جميع أفراد العائلة كانوا يشاركون في الموسم، من الأطفال والنساء إلى الشيوخ والشباب، في أجواء تطغى عليها الحماسة والبهجة، وتحول ساعات العمل الطويلة إلى مناسبة عائلية ينتظرها الجميع كل عام.
ولا يتوقف موسم القطاف عند حدود العمل والإنتاج، بل يمتد ليصبح طقسا احتفاليا تتردد خلاله الأهازيج الشعبية والعتابا الجنوبية المرتبطة بالأرض والزيتون، فتصدح الحناجر بين الأشجار، وتمنح المشاركين مزيدا من الحماسة، وتخفف عنهم مشقة العمل.
ومن جانبه، يستحضر أبو علي حرقوص جانبا آخر من تلك الطقوس، مؤكدا أن "طقوس القطاف لا تكتمل إلا بصوت الحناجر وهي تصدح بالعتابا، لتتحول جنبات الحقول إلى مساحات من الفرح والصمود".
ويتابع حرقوص أن من أجمل ما يميز موسم الزيتون الاجتماع العائلي حول مائدة الإفطار، التي تتحول بدورها إلى جزء لا يتجزأ من ذاكرة الموسم وطقوسه المتوارثة.
وتتزين تلك الموائد بأطباق تراثية تجمع زيت الزيتون البكر والزعتر البلدي والجبنة البيضاء والزيتون والمكدوس، إلى جانب البيض المسلوق أو المقلي بزيت الموسم الجديد، فيما يرافقها الشاي بنكهة الميرمية أو النعناع، المحضر على نار الحطب بين الحقول، في مشهد يجسد عمق العلاقة بين الجنوبيين وأرضهم.
أرض دمرها الاحتلال.. وروح تنتظر العودة
وفي محطة أخرى من جولة "شمس نيوز"، التقت الوكالة النازح فؤاد أبو وعد، من بلدة يحمر الشقيف المحتلة، الذي يحمل في ذاكرته تفاصيل أرض ومنزل وحياة اقتلعها العدوان الإسرائيلي من جذورها.
ويستعيد أبو وعد ما كان يمتلكه في بلدته، قائلا: "كانت لدي أراض شاسعة ومنزل كبير في ضيعتي، دمرها الاحتلال بالكامل، لأجد نفسي اليوم مقيما مع عائلتي في منزل صغير وضيق".
ويلخص حجم الفاجعة التي يعيشها جراء فقدان أرضه وبيته بعبارة تختزل سنوات من الارتباط بالمكان والألم على فراقه: "كانت الأرض بالنسبة لي بمثابة الروح، قضيت فيها معظم سنين عمري.. وحين دمروها، كأنهم انتزعوا مني روحي تماما".
وبتنهيدة تختصر حكاية جيل كامل من أبناء الجنوب، يتابع أبو وعد: "رغم كل شيء، ورغم أنني أعيش اليوم بجسد بلا روح، إلا أن الأمل يرافقني كظل لا يفارقني؛ فتضحيات الشباب والمقاومة لا يمكن أن تذهب هدرا، ولا بد أن تزهر نصرا قريبا".
ويعرب عن أمله في أن يكون ذلك النصر بمثابة الغيث الذي يروي الأرض ويعيد إليها الحياة، لتنبت البذور من جديد في الحقول التي دمرها الاحتلال، وتستعيد العائلات أراضيها ومنازلها وذكرياتها التي سلبها العدوان على مدار ثلاث سنوات.
تضرر 24 ألف هكتار من الأراضي المزروعة بالزيتون
وفي هذا السياق كشف وزير الزراعة اللبناني، نزار الهاني، عن أضرار واسعة لحقت بالقطاع الزراعي جراء الهجمات الإسرائيلية، مشيرا إلى تضرر نحو 22.5% من الأراضي الزراعية في لبنان، بمساحة تقارب 56 ألف هكتار، تتركز غالبيتها في محافظتي الجنوب والنبطية.
وأوضح الهاني، في تصريحات لوكالة "الأناضول" التركية، أن نحو 52 ألف هكتار من الأراضي المتضررة تقع في الجنوب والنبطية، مقابل أربعة آلاف هكتار في منطقة بعلبك الهرمل، لافتًا إلى أن الأضرار شملت المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية وقطاع تربية النحل.
وأضاف أن الهجمات أدت إلى خسارة أكثر من 30 ألف خلية نحل، ونحو 70% من الثروة الحيوانية في جنوب لبنان، فضلًا عن تضرر نحو 24 ألف هكتار من الأراضي المزروعة بالزيتون، خرج 750 هكتارا منها من الخدمة نتيجة التجريف واقتلاع الأشجار وسرقتها.
وتكتسب هذه الخسائر أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي يؤديه الجنوب في الإنتاج الزراعي اللبناني، إذ يساهم بنحو 70% من إنتاج الحمضيات و90% من إنتاج الموز في البلاد، ما يهدد الإنتاج المحلي والصادرات الزراعية إلى الدول المجاورة.
الفوسفور الأبيض والغليفوسات يثيران مخاوف بيئية
وفي ما يتعلق بالتلوث البيئي، قال وزير الزراعة إن إسرائيل استخدمت الفوسفور الأبيض، إلى جانب رش مناطق حدودية بمبيد الأعشاب "الغليفوسات"، ما يثير مخاوف بشأن انعكاسات هذه الممارسات على التربة والمحاصيل والموارد الزراعية.
وأوضح أن الفحوص التي أُجريت حتى نهاية عام 2025 أظهرت نتائج ضمن حدود وصفها بأنها تحت السيطرة، غير أن تجدد الحرب في آذار/ مارس 2026 واستمرار الاحتلال حالا دون وصول الفرق المختصة إلى عدد من المناطق لإجراء فحوص جديدة.
وحذر الهاني من تداعيات استمرار الحرب على الأمن الغذائي، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد والضغوط التي تتعرض لها الأسواق، مشيرا إلى تقديرات أممية سابقة حذرت من احتمال مواجهة نحو 1.2 مليون شخص في لبنان مخاطر تتعلق بتأمين الغذاء.
ولفت إلى أن القطاع الزراعي يساهم بنحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي للبنان، وترتفع النسبة إلى 13% عند احتساب الصناعات الغذائية المرتبطة به، ما يعكس حجم التداعيات الاقتصادية المحتملة لاستمرار استهداف الأراضي الزراعية ومصادر الإنتاج.
