أثارت بيانات صحية حديثة بشأن التشوهات الخلقية بين مواليد قطاع غزة مخاوف متزايدة من التداعيات طويلة الأمد للحرب على صحة الأمهات والأطفال، وسط دعوات لإجراء دراسات علمية مستقلة تكشف حجم الظاهرة وأسبابها المحتملة، في ظل التدهور الحاد للأوضاع الصحية والغذائية والبيئية في القطاع.
ففي أحدث البيانات التي نشرتها مصادر إعلامية في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، أفادت مصادر طبية بتسجيل 260 حالة تشوهات خلقية خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، في وقت تواجه فيه النساء الحوامل تحديات صحية ومعيشية غير مسبوقة.
أرقام صحية تثير القلق
وبحسب البيانات ذاتها، سُجلت 322 حالة تشوهات خلقية خلال عام 2025، مقارنة بـ184 حالة عام 2022، بزيادة تقارب 75% في أعداد الحالات المسجلة، فيما يتطلب تحديد مدى ارتفاع معدلات التشوهات فعليًا معرفة إجمالي الولادات خلال الفترات المقارنة ومدى اكتمال عمليات التشخيص والتسجيل.
وفي مؤشرات أخرى، نقلت تقارير صحفية عن وزارة الصحة تسجيل أكثر من 4100 ولادة مبكرة ونحو 4900 مولود منخفض الوزن، إضافة إلى مئات حالات الوفاة داخل الرحم، ما يعكس حجم التحديات الصحية التي تواجه الأمهات والمواليد في قطاع غزة.
مخاطر تحيط بالأمهات والأجنة
وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن التأثيرات المحتملة لسوء التغذية وفقر الدم ونقص المكملات الغذائية وتراجع خدمات الرعاية الصحية أثناء الحمل، إلى جانب المخاوف من التعرض للملوثات البيئية والدخان والغبار الناجم عن القصف.
وتشير الأدلة الطبية إلى ارتباط بعض هذه العوامل بزيادة مخاطر الولادة المبكرة وانخفاض وزن المواليد، فيما يحتاج تحديد أسباب التشوهات الخلقية، خصوصًا عند البحث في احتمالات التعرض للمواد السامة ومخلفات الذخائر، إلى دراسات علمية وفحوصات متخصصة.
تعقيبات طبية وتحذيرات صحية
وفي شهادات طبية منشورة، أشار الدكتور أحمد الفرا، رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي، إلى ملاحظة زيادة في حالات التشوهات الخلقية التي تصل إلى المستشفى مقارنة بالفترة السابقة للحرب، محذرًا من المخاطر الصحية والبيئية المحيطة بالنساء الحوامل.
كما أظهر تحليل نشرته منظمة أطباء بلا حدود في مايو/أيار الماضي ارتباط سوء تغذية الأمهات بارتفاع بعض مضاعفات الولادة لدى الأطفال الذين شملتهم الدراسة، ومنها الولادة المبكرة وانخفاض الوزن.
ورغم هذه المؤشرات، فإن إثبات العلاقة المباشرة بين ظروف الحرب وحالات التشوهات الخلقية يتطلب دراسات وبائية متخصصة تراعي العوامل الوراثية والصحية والبيئية المختلفة.
حالات موثقة تكشف تعدد التشوهات والأمراض
ومن خلال متابعة حالات جرى توثيقها إعلاميًا خلال الأشهر الماضية، برزت معاناة أطفال وُلدوا بتشوهات خلقية ومشكلات صحية متعددة، شملت عيوبًا في القلب والجهاز العصبي والعمود الفقري، وتشوهات في الجمجمة والأطراف، إلى جانب الاستسقاء الدماغي والشفة المشقوقة واضطرابات الجهاز التنفسي.
ومن بين هذه الحالات، الطفل يحيى، نجل الفلسطينية مجدولين عزت، الذي وُلد بتشوهات في الجمجمة والشفة والقلب، ومشكلات في الرئتين والعضلات، والطفل محمد، نجل آية أبو شمالة، الذي يعاني تشوهات خلقية في القلب والأطراف السفلية.
كما برزت حالة الطفل آدم، نجل إسراء فؤاد، الذي وُلد بتشوهات في الجهاز العصبي ومشكلات في العمود الفقري، بعدما عانت والدته ظروف حمل قاسية شملت النزوح ونقص الغذاء وفقر الدم.
وتسلط هذه الحالات الضوء على معاناة الأسر التي تواجه تحديات صحية وعلاجية معقدة منذ ولادة أطفالها، وسط محدودية الإمكانات الطبية المتخصصة.
أزمة العلاج ومستقبل المواليد
ولا تتوقف معاناة الأطفال المصابين عند التشخيص، إذ يحتاج بعضهم إلى عمليات جراحية دقيقة في القلب والدماغ والعمود الفقري، أو إلى رعاية وتأهيل طويلَي الأمد، في ظل نقص الخدمات الطبية وصعوبة الحصول على العلاج والتحويلات الطبية خارج القطاع.
وبين الأرقام الصحية والشهادات الإنسانية، تتزايد الحاجة إلى تحقيق طبي وعلمي مستقل يحدد حجم التشوهات الخلقية بين مواليد غزة وأسبابها المحتملة، إلى جانب توفير الرعاية الطبية اللازمة للأطفال المصابين.
وفيما لا تزال الأسئلة العلمية بشأن أسباب هذه الحالات تبحث عن إجابات، تخوض عائلات فلسطينية معركة يومية لإنقاذ أطفال بدأت معاناتهم مع الحياة منذ لحظاتها الأولى.
