غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

خبر هلا شققتَ عن قلبه!!

هلا شققتَ عن قلبه!!

«هنالك أناسٌ يضعون أنفسهم خارج البشرية وفوقها؛ من أجل أن ينظموها ويرتبوها ويضبطوها كما يحلو لهم» . لقد بتُّ هذه الأيام أكره أي حوار سياسي، فعادة ما ينتهي بإطلاق تهمة الكفر، واقتنعت أن من الأفضل لي الاحتفاظ بآرائي السياسية، متسائلا في لؤم من منا يحتكر المعرفة، ومن منا له الحق في احتكار الكلام الرباني وأحاديث نبيّه وسيرة الصحابة العظام، بل وتسخيره لخدمة أهداف قد تكون دنيوية مغلفة بشكل ديني؟؟!.

  هذه الأيام أصبحت آية السيف من أهم الآيات في القرآن الكريم، بل وأصبحت من أهم أدبيات فرق إسلامية كاملة، وكثيرا ما أسمعها في النقاشات السياسية، وهي الآية الخامسة من سورة التوبة، وفيها يقول المولى عز وجل «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ. فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ». صدق الله العظيم.. ومن وضع رجليه على أول الطريق يغلق باب النقاش بقوله، إن هذه الآية الكريمة نَسخت كافة الآيات التي تتحدث عن العفو والصفح، وكأن إسلامنا هو دين قتل ودماء، ولهؤلاء أقول بداية، إن موضوع النسخ في القرآن الكريم مختلف فيه، ويعجبني قول د. محمد عمارة الذي استشهد بالإمام السيوطي أن آية «فاعفوا واصفحوا» (البقرة 109) لم تنسخ، ويضيف عمارة، إن آية السيف قد نزلت في المشركين وآية الصفح قد نزلت في أهل الكتاب؛ ما جعل سبب النزول مختلفا، والآيتان بشكل جازم لم تنزلا في المسلمين.

في نقاشاتنا السياسية، رفعنا الآراء السياسية إلى مصاف العقيدة، كالإمامة وشروطها وطاعة الحاكم أو الخروج عليه، والديمقراطية والأقليات، وبالطبع لكل فريق ما يؤيده من آيات وأحاديث.

 ويؤدي في النهاية إلى إطلاق أخطر تهمة وهي الكفر، التي تستوجب التطهير المقدس لهؤلاء الكفرة والمارقين والخوارج!

لا أفهم كيف يستطيع إنسان اتهام آخر بالكفر ما لم يجهر به صراحة، ألم يعلم استهجان وغضب رسول الله صلوات الله عليه وسلم حين قتل ربيبه أسامة بن زيد في أحد المعارك مشركا بعد أن نطق بالشهادة؟!، مبررا فعلته أن المشرك قد قالها خوفا من القتل.

فقال الرسول «هلا شققت عن قلبه»، وفي ذلك أيضا قاعدة رائعة للإمام الغزالي تميز بين الأصول والفروع، فالأصول هي الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر وما عدا ذلك فهي من الفروع ولا تستدعي الكفر، إلا في مسألة واحدة هي إنكار أصل ديني علم عن الرسول بالتواتر.

لماذا لا نعود إلى فكرة أصل الأديان؟!، فالله سبحانه وتعالى أرسل رسله لهداية الناس وبيان الحلال والحرام وتنظيم المجتمعات بما في ذلك الحد من العنف، وبسبب العنف كانت هجرة الرسول وصحبه إلى المدينة المنورة، ولم يكن خيار الرسول العنف أبدا، وعندما فتح مكة فتحها ردا على نقض العهود، إذْ قدّم للبشرية ملاحمَ من العفو والصفح.

هذا التيار التكفيري قد نما نموا كبيرا، وأحيانا أفهم مبرراته وأسبابه، من فشل القومية العربية والدول والوطنية، وصبغ الإسلام بالإرهاب، واستشراء الفساد والظلم، وضعف الأمة واختلال موازين القوة مع الغرب، وفي إطار بحثنا عن طوق نجاة تخندقنا ودخل الماضي بالحاضر وأسقطنا الوقائع القديمة على الحديثة، وقدسنا التاريخ وأنزلنا علماءنا الأوائل منزلة كانوا يرفضونها واعتبرنا اجتهاداتهم وتفسيراتهم في قدسية القرآن والحديث.

ما أخشاه من كل هذا أمرين، انشغالنا في تبادل التكفير عن قضايا التنمية والتعليم والديمقراطية وحقوق الأقليات والمرأة، وقضايا محورية كفلسطين والتعاون العربي، والأمر الثاني الأخطر هو تعاظم التيار العلماني، بأنْ أصبح يتبناه حتى المتدينون، كرد فعل على استمرار التخبط الديني والصراع المذهبي ورفض المسلم للآخر، ونتيجة ذلك لن تكون إلا كسر أحد المعسكرين للآخر ومزيدا من سفك الدماء، أليس ما نشاهده في عالمنا العربي يشبه ما جرى في أوروبا في القرن السابع عشر؟ وقد كان نتيجته فصلا كاملا للدين عن الدولة.

يجب أن نقف وقفة نقيّم بها أنفسنا، ننصت لأصوات بعضنا، ننصت مهما كانت أصوات الغضب والرفض عالية، نتحاور ونعرف أسباب الرفض ودوافعه ونبحث عن أرضية مشتركة ننطلق منها، ويجب أن ننظر إلى ديننا العظيم في السياسة بأنه مجموعة من التعاليم والقيم نستلهمها لبناء مجتمعاتنا ونسترشد بها لمعالجة التحديات، وأنت أخي العزيز أرجوك أن لا تَسٍمْ شخصًا -تختلف معه سياسيا- بالكفر، فأمتنا واحدة والنزعة العدوانية هي علامة التشرذم والضلال.

 

 

"جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز".