Menu
اعلان اعلى الهيدر

سلام ترامب.. حمل كاذب

بقلم: عبد الناصر النجار

تصاعدت في الأيام الماضية الحملات الإعلامية والجولات المكوكية لمستشاري ترامب، مصممي "صفقة العصر"، لعلهم يجدون منقذاً أو مجرد نافذة أمل لسلامهم الكاذب... البعض في العالم، وهم قلة، يحاولون إقناع أنفسهم بها، مع أنهم في حقيقة الأمر غير مقتنعين بوجود أي إمكانية لتحقيق هذه الصفقة... في ظل إجماع فلسطيني على رفضها ومقاومة أي محاولة ضغط لتطبيقها. 

في ظل المعطيات المنشورة، فإن الاحتلال الإسرائيلي بكتّابه ومحلليه يؤكدون أن لا إمكانية لفرض هذه الصفقة، لأنها غير ذات صلة بالواقع على الأرض، وأن مستشاري ترامب يشترون مزيداً من الوقت فقط.

المتابع لتطور هذا المخطط يلاحظ طريقة تفكير إدارة ترامب ومستشاريه الساذجة، ممن هم على يمين المتطرفين المستوطنين، فهم يفكّرون على طريقة تاجر التجزئة، وربما على طريقة "تاجر البندقية". في الوقت الذي يفكر فيه الفلسطيني بحقه في التحرر من قيود الاحتلال، وأرضه المصادرة وبيته المدمر وحركته المقيدة... ويفكر باستقلاله والعاصمة القدس... وعلى رأس ذلك كله كرامته القائمة على الحق.

حمل ترامب الكاذب من المقرر أن يعلن عن ولادته بعد الانتخابات الإسرائيلية، أي مع الذكرى الحادية والسبعين للنكبة الفلسطينية؛ ما يعني أن هذا الإعلان يأتي في أوج العواطف الفلسطينية المتأججة لحق العودة والتخلص من حياة اللجوء والاحتلال، ما يساهم في سرعة التخلص منه.

القصة الآتية تعبر بكل صدق عن موقف الشعب الفلسطيني من أن التنازل عن الحق غير وارد في القاموس الوطني، على الرغم من حدة الخلاف أو الاختلاف بين القيادات وليس الشعب.

"قبل فترة زار ثلاثة من أعمامي مسقط رأسهم في بلدة الفالوجة المهجرة والمدمرة في العام 1948 وتجولوا فيها عدة ساعات والتقطوا مئات الصور ومقاطع فيديو لكل متر مربع من البلدة... بعد أقل من 24 ساعة جرى تناقل مئات الصور عبر وسائل التواصل الاجتماعي بمشاركة عشرات الآلاف من أبناء الفالوجة في مختلف أنحاء العالم الذين يقدر عددهم اليوم بـ150 ألفاً. مرت أسابيع والكل يعلق عليها.. فهذه الصورة لموقع المدرسة والأخرى لمقر البلدية والثالثة لمقام سيدي الفالوجي ... هنا تقع حارة العائلة كذا وتلك حارة العائلة كذا، حتى وصل الأمر بالبعض إلى أن بدأ يرسم حدوداً لقطع الأرض التي يملكها ضمن مسطح البلدة.

النقاش لم يقتصر على أولئك الذين ولدوا في البلدة قبل التهجير القسري، فقد امتد إلى مشاركة الشباب بمختلف فئاتهم وصولاً إلى الأطفال.. وأكثر من ذلك، شخصياً عدت لتسجيل فيديو لوالدي رحمه الله متحدثاً من خلال الرواية الشفوية عن معالم الفالوجة، والمعارك التي خاضها الأهالي مع الجيش المصري، وعن تلك الليلة التي حاول فيها جنود صهاينة التسلل إلى البلدة لارتكاب مجزرة فيها وكيف جرى اكتشاف المتسللين والتصدي لهم وإيقاع الخسائر في صفوفهم... علماً أن والدي كان جندياً متطوعاً في الجيش المصري تحت قيادة البيك طه والبكباشي جمال عبد الناصر .. الرئيس المصري بعد ثورة يوليو في العام 1952.

تحول العالم الافتراضي الذي خلفته الصور في مواقع التواصل إلى عالم حقيقي، تدب فيه الروح فجأة دون مقدمات سوى أن هذه بلدتنا الفالوجة.

هذه القصة تؤكد قوة الشعب الفلسطيني وعنفوانه وأنه عند لحظة الجد قادر على التضحية والدفاع باستماتة عن حقوقه ولن تتمكن أعظم قوة في العالم من هزيمته أو قهره. 

في الوقت نفسه، فإن القصة تؤكد انهيار مقولة المتصهينين أنه بعد أكثر من 70 عاماً على النكبة فمن المفترض أن يكون الكبار قد ماتوا والصغار قد نسو، فأي ذاكرة للنسيان تلك التي يتوهمون أنها موجودة؟

جولات مستشاري ترامب المكوكية في أكثر من دولة وتسريباتهم الصحافية حول حملهم الكاذب لم تؤت أكلها وكل ما يسمعونه من القادة لا يعدو كونه جزءاً من العلاقات العامة، وأفضل ما سمعوه كما تؤكد المصادر العبرية هو الثناء على المساعدات المالية التي قد تصل إلى 30 مليار دولار خلال عدة سنوات قد تصل إلى عشرة أو أكثر .. وهو انعكاس لمفهوم السلام الاقتصادي الذي تحدث عنه نتنياهو سابقاً وكان مصيره سلة المهملات.

مع بدء العد التنازلي لإعلان إدارة ترامب عن وضع حملها الكاذب، فإن الشعب الفلسطيني من أعلى قمة الهرم ممثلاً بالرئيس وحتى أصغر طفل فلسطيني موحدون كجدار صلب لا يمكن اختراقه في رفض المخططات التصفوية وعلى رأسها الصفقة الميتة.

قد يدعي البعض أن مزيداً من الضغوط في الطريق، ولكن الجواب واضح، فإدارة ترامب استخدمت مبكراً أوراق ضغطها كلها، ابتداء من نقل السفارة إلى القدس المحتلة ومن ثم وقف الأموال، ومحاولة تصفية قضية اللاجئين وليس انتهاء بدعم الاستيطان، وبالتالي لم يتبق لديها أي ورقة. أما إذا كانت هذه الإدارة تراهن على الضغط العربي فإن هذه الإدارة أما غبية أو متغابية، لأن علاقتنا ليست علاقة أنظمة وإنما هي أخوة شعوب ومصير مشترك، والعرب مجمعون على أن المبادرة العربية هي المقبولة والمطروحة ولا بديل عنها.. أما ما يدور في الغرف المغلقة فسيبقى مجرد أسرار تموت مع الزمن.

عن صحيفة الأيام 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "شمس نيوز"