Menu

مقال مطول: بيروت التي نحب...!

بقلم: أكرم عطا الله
لن تكف بيروت عن إيلامنا كأنها مخزن للحزن الذي لا ينتهي في هذه المدينة التي تعاقدت مع الدم والموت والدمار كمشهد اصبح الأكثر ضياعا في عقودها الأخيرة، هي المدينة الصغيرة التي تحشو في شوارعها تاريخا من الموت فاض عن مساحتها أو كأنها تدفع ثمن هذا التاريخ على دفعات لن يكتب لها نهاية.
حين يتوقف الأعداء عن إيلامها تستولد ألمها من بطنها، وذلك منذ أن تحول هذا التعدد النادر إلى نقمة بعد أن كان نعمة الله لهذه المدينة التي كانت وجهة مثقفي الشرق لتتحول إلى مدينة كئيبة طاردة لم تعد تحمل غير الفقر والفوضى وحافة الانهيار التي أخرجت شعبها الهادئ للشوارع يدلق ما فيه من غضب تراكم في أزقتها.
لماذا بيروت الحزينة.. هي باريس الشرق وكأنه كان كثيرا عليها أن تخلع ثوبنا الرتيب وتقلع بنا نحو حداثة كأنها كانت تريد أن تأخذ بيدنا أبعد من إرثنا الدامي حين قطعت مع تاريخنا الغارق في بداوة كانت غادرتها بيروت الجميلة، كيف حدث وأن يعود هذا التاريخ بكامل اثقاله على جسدها الذي لا يحتمل كل هذا العنف؟.
لبيروت السلام الذي كان أمنية العاشقين والفنانين والثوريين والقصائد التي دبجت بهذه المدينة التي تنام بين أمواج «المتوسط»، كم كانت ملهمة لكل من كتب عنها شعرا ونثرا وقصيدة تغزلت بروحها، فللمدن روح وبصمة، ولأنها بيروت بقيت وروحها حية بعد كل مأساة ضربتها وبعد كل الطلقات التي أصابت أقدامها كانت تعود لتقف من جديد على ألحان الأغاني وناي الرعاة.
لبيروت رائحة لا تشبه المدن الأخرى، ولبيروت مجد لم تتزين به عاصمة أخرى، وللفلسطينيين حصة من بيروت حين كانت خيمتهم ونجمتهم التي أضاءت عتمة زمن كان مكللا بالخيبات والنكبات التي كانت تحيط بهم من كل الاتجاهات، فكتبت صمودهم على جسدها بما ألقى عليه من حمم دون أن يسمع الأعداء أنينها الخافت بل أغنيات النصر من بين الركام.
لم تنكسر بيروت رغم كل الضربات التي كانت تكفي لأن تعلن كبرى العواصم رايات استسلامها، لكنها في كل مرة كانت ترفع شارة النصر من بين الأنقاض وتعود للحياة لأنها لا تملك ترف الموت بكل هذا التاريخ المرصع بالحماسة. فهي لا تشبه العواصم لأن لها رائحة أخرى لا يعرفها إلا من كان بها وسار في شوارعها وتوقف أمام عصر كان يعلن ميلادنا في الفاكهاني قبل أن تنطفئ جذوة الحلم.
زرتها قبل أكثر من عقد ونصف العقد. كانت الزيارة الأولى لمدينة أحفظها على الورق عن ظهر قلب، كانت الطائرة تبدأ الهبوط فوق المدينة وكان صوت المضيفة يعلن الاقتراب من مطار بيروت وكانت أنوار المدينة تحتضن ذكرى كل الذين مروا هناك وكتبوا رواياتهم وقصائدهم وكل المناضلين الذين كتبوا بإرادتهم أيضا. تذكرت ما قاله محمود درويش «بيروت خيمتنا الأخيرة» هي التي أهدت العرب انتصارا قبل عقدين حين أعطتهم صورة الجندي «الذي لا يهزم» هاربا في محاولة لإعادة صياغة العقل العربي من جديد فهي العاصمة الوحيدة التي سجلت هزيمتهم ...شكرا بيروت الجميلة.
حزين أنا على بيروت التي تقمصت للحظة دور هيروشيما حين انفجرت دمعتها من البحر كعادتها في الانفجارات لأنها لا تعرف الهدوء ولا السكينة حين غطتها سحابة الموت الرهيبة، من كان هناك لم يصدق أنه خرج حيا ولم يصدق أن بيروت ستعود للحياة ولكنها كعادتها أيضا التي احترفتها فهي تمسح دموعها بسرعة وتمسد شعر أبنيتها دون انتظار الرحمة من أحد، فقد اعتادت على الوحدة منذ جربت كل العواصم التي لولاها كما قال درويش لما كانت بيروت ثكلى.
ستنتصر بيروت وتقف من جديد لأنها ترفض أن تموت كما صرخت ذات يوم أبنية حجارتها العتيقة، وهذا هو سرها وسحرها أن الحياة في تلك المدينة أقوى كثيرا من الموت ولأن إرادتها أقوى كثيرا من أن ترفع راية بيضاء وهنا رهان من خابت آمالهم بتركيع بيروت وإضعافها لأن بيروت الضعيفة تحرج الجميع حين لا تكف عن التحدي.
نحن ندين لبيروت بجزء عاطفي من تاريخنا وتاريخها المثقل بالوجع وبالفخر الذي أصبح هوية لن تتجرد منها بيروت رغم الحالمين بابتزازها بعد مأساتها الأخيرة، وكل الذين يعتقدون أنهم سيقتنصون فرصة الدم النازف من خاصرتها ولم يقرؤوا تاريخها وماضيها وحاضرها لأن بيروت هي بيروت وليست أخرى.
قلبي على بيروت وناسها وشوارعها ومبانيها وواجهات مطلة على البحر كانت ذات يوم تتلقى حمم البوارج واليوم، فهي شيء آخر. وفي كل مرة تتحول المدينة إلى ركام ثم تعود واجهات زجاجية تقاتل وتغني وتجوع وترقص وتتألم وتعزف وتحزن وتفرح لكنها لا تساوم على كبريائها في ذروة الألم. ومن يعرف بيروت جيدا يعرف ذلك ستعود بيروت أقوى فالمؤشرات قبل المأساة تقول ذلك، هي بيروت التي نحب وكما غنت فيروز من قلبي سلام لبيروت.