Menu

الحملات والحراكات صيرورة دائمة ضد الاستعمار

يحيى قاعود

كاتب وباحث في العلوم السياسية

إن الحملات والحراكات الفلسطينية والدولية ضد الاستعمار الإسرائيلي للأرض الفلسطينية، من أهم خيارات التحرر الوطني الفاعلة في ظل الظروف السياسية المعقدة على المستوى الداخلي والدولي. ولعل أهميتها تكمن في نقل "التضامن الوجداني" لدى شعوب العالم إلى "التضامن الفعلي" مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني. سواء كانت حراكات أو حملات فهي تستهدف كشف زيف الرواية الصهيونية ومحاربتها، وتتجانس في تحقيق نفس الأهداف، لكنها في اتجاهات متعددة.

بعض نظريات علم السياسة تنص على أن العبرة بـ "النتائج" لا بـ "الوسائل". ورغم أن الحملات والحراكات تعطي نتائج عظيمة لكنها تحتاج إلى أوقات طويلة، لأنها تعتمد الوسائل القانونية والدبلوماسية، وهي الوسائل واللغة المشتركة لكل الحضارات والثقافات، بهدف تحريك قوى مجتمعية للضغط والتأثير على قوة الاحتلال وإخضاعها للقانون الدولي.

إن مخاطبة الشعوب بلغة مشتركة تعني انتقال تضامنهم الوجداني إلى فعل حقيقي، بحسب طبيعة الحملة أو الحراك وأهدافه التي انطلق منها للعمل من أجل فلسطين، وكم من تجربة تاريخية ناجحة على مستوى تغيير سياسات داخلية، بداً بمقاطعة العمال الايرلنديين أواخر القرن التاسع عشر عن العمل في الأراضي التي كان "تشارلز بويكوت" وكيل عليها لأحد الإقطاعيين، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت كلمة "بويكوت Boycott" تستخدم كتعبير عن "المقاطعة". مروراً بحملات وحراكات السود في الولايات المتحدة الأميركية حتى تحقيق مطالبهم.

أما على مستوى الاستعمار ومواجهة سياساته. يمكننا ذكر حراك المقاطعة التي قادته المستعمرات الأميركية ضد بريطانياً وسكبت الشاي في البحر احتجاجاً على الضرائب، ومن ثم تحولت إلى ثورة الاستقلال، وهو اليوم الذي تحتفل به الولايات المتحدة في كل عام. وهذا ما يفسر لنا مهاجمة الولايات المتحدة وإدارة دونالد ترامب لحركة المقاطعة BDS، فهي تعلم أكثر من غيرها جدوتها في إحداث التغيير.

وفي مقاربة تجربة "جنوب أفريقيا" مع "القضية الفلسطينية" هناك العديد من الدروس والعبر، التي يمكن الاستفادة منها، ولعل أهمها الاستمرارية في النهج والمسار، فعندما بدأت حملة مقاطعة الابارتهايد لم تكن نداً متكافئاً مع قوة البيض الذين يحكمون البلاد. غير أن إصرارهم على مواصلة المطالبة بحقوقهم، جعل العالم يتضامن معهم، والأمم المتحدة تطالب بإلغاء التمييز العنصري. صحيح المقاربة ليست متماثلة، لكن هناك متغيرات كثيرة يمكن الاستفادة منها، التقدم التكنولوجي الهائل واكتساب مساحة كبيرة على شبكات مواقع التواصل الاجتماعي.

إن عدالة القضية الفلسطينية وازدياد المتضامنين معها، رغم الإجراءات والسياسات الأميركية الداعمة للاحتلال، حتماً ستنتصر طال الزمن أم قصر بـ: أولاً: استمرارية عمل الحملات والحراكات، إن رفع وتيرة الممارسات الاستهدافات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين تجبرنا على الاستمرار في الحملات والحراكات كوسيلة نضالية، لا تركها والابتعاد عنها. لأن الفعل الاحتلالي يتوجب أن يتبعه فعل نضالي، ليس هذا فحسب، وإنما يسبقه حتى يصبح قادراً على منع توسعاته، ومحاربه ما هو قائم.

ثانياً: في ظل الظروف الدولية الحالية وتعقيداتها، يعتبر النضال القانوني دولياً أحد أهم وسائل النضال الفلسطيني، وهذا يتطلب الاستمرار به من أجل حشد مناصرين فاعلين مع الحقوق الفلسطينية. فالساحة الدولية ليست متروكة للعمل الفلسطيني وحدة، فهناك رواية إسرائيلية تبث، ودون محاربتها بشكل دائم ومستر، بالتأكيد سوف يتراجع الدعم والتضامن إن لم نخسر. ثالثاً: تكامل الفعل النضالي للحملات والحراكات الفلسطينية على المستوى العربي والدولي، خاصة مع ازدياد رقعة التطبيع العربي جغرافياً، فهناك الكثير من المؤسسات والأفراد العرب التي تستهدف الآن من قبل الاحتلال تتضامن مع القضية الفلسطينية، وهذه الحملات والحراكات يجب أن توجه بحسب متطلبات القضية، وفي كل الاتجاهات خاصة، الرواية الإسرائيلية، والاستيطان والنشاطات التجارية التي تقام في المستوطنات "الشركات الأجنبية" وغيرها. وفي الختام، لسنا بحاجة لقرارات وتشريعات دولية جديدة بقدر حاجتنا لتفعيل ما تم إصداره منها.