Menu

لماذا حتمية تجديد التراث الإسلامي؟

بقلم د. وليد القططي

رواه البخاري، عنوان مقال سابق لكاتب هذه السطور، أثار ردود فعل غوغائية تحريضية ضد المقال وكاتبه، توّلى كبر الحمْلة بعض حَملة الفكر الإسلامي الجامد المتحجر، من الذين احتكروا لأنفسهم النطق باسم الإسلام دون غيرهم من المسلمين، وقد اتضح من خلال حملتهم المليئة بالصراخ والصياح والعويل، وجود مشكلة جوهرية عندهم في فهم التراث الإسلامي، ماهيتها عدم إدراك الفرق بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري، ومضمونها عدم القدرة على التمييز بين النص الديني والتراث الديني، وأساسها عدم ملاحظة الاختلاف بين الدين الإسلامي والفكر الإسلامي؛ ولذلك لم يفصل أولئك المساكين بين الحديث النبوي الصحيح كوحي إلهي مُقدّس، وبين الجهد البشري المبذول لإثبات صحة الحديث النبوي سنداً ومتناً كجهد عقلي بشري يقبل الصواب والخطأ، ويحتاج للتقييم والتقويم، وهي إشكالية تنسحب على التراث الإسلامي كله، ولذلك من المفيد إلقاء الضوء على مفهوم التراث الإسلامي، لنصل إلى الإجابة على سؤال: لماذا حتمية تجديد التراث الإسلامي؟!

التراث الإسلامي هو كل ما تركه لنا أجدادنا المسلمين من موروث مادي كالكتب والعمارة والآثار، أو معنوي ثقافي في مجالات الدين والعلم والأدب والفن، ما عدا الوحي الإلهي – القرآن الكريم والسنة النبوية – ويُدخل في ذلك كل اجتهادات العلماء السابقين في فهم الإسلام من مصادره الأصلية- القرآن والسنة- وبذلك يكون مفهوم التراث الإسلامي منفصلاً عن مفهوم الإسلام، وليس هو الإسلام، إنما هو تفسيرات واجتهادات مختلفة في فهم الإسلام ناتجة عن تفاعل العقل البشري المسلم مع النص الديني في القرآن والسنة في ضوء متغيرات العصر والمجتمع، وهذا التفاعل ينتج الفكر الإسلامي وهو فهم علماء المسلمين للإسلام واجتهاداتهم وآرائهم فيما لا نص فيه أو في نص يقبل الاجتهاد والاختلاف، فهو فكر إنساني في دائرة الإسلام يقبل الصواب والخطأ، يؤخذ منه ويُرد عليه، ولذلك وُجِدت مدارس وتيارات فكرية في مختلف المجالات تمثل نُسخاً متباينة للإسلام، كالصوفية والسلفية، والأشاعرة والمعتزلة، والشيعة والسُنة.

تطرفَ بعض المسلمين في موقفه من التراث الإسلامي فأضفى عليه قُدسية، فجعلوه فوق النقد، وفوق المساءلة، وفوق الاختبار، وفي مقدمتهم المدرسة السلفية النصوصية المبتدئة بابن تيمية والمنتهية بابن عبدالوهاب وأتباعه، فأخذوا تراث السلف من علمائهم مأخذ القبول والتسليم واستبعدوا تراث السلف من غيرهم. وتطرف بعض المسلمين المتغربين في موقفه من التراث الإسلامي بالاتجاه الآخر فرفضه محاولاً إلغاء التراث الإسلامي، ودفنه تحت التراب، واستبداله بالتراث الغربي، والبدء من جديد، كما تبدأ الأمم التي ليس لها حضارة ولا تاريخ ولا ذاكرة. والعدل بين موقفي التقديس والرفض هو الوسط الذي يُفرّق بين الوحي الإلهي والتراث البشري، فما كان من الوحي الإلهي قُرآناً وسنة، صحيح الثبوت وصريح الدلالة، فيجب الأخذ به، وما كان من فهم البشر للوحي الإلهي قرآناً وسنة، فيجب مناقشته وفق المعايير المضبوطة بالشرع والعقل، فنأخذ به أو نتركه، أو نجتهد غيره ونجدده.

هذا الفهم للتراث يُعطينا الشرعية في نقد التراث السلفي، انطلاقاً من نفي العصمة لأي شخص في الأمة عدا رسول الله r، مهما كانت منزلته العلمية كبيرة، فلا بد من وزن أقوال السلف وآرائهم وأفعالهم بالميزان الذي لا يُخطئ- الكتاب والسنة- وإلاّ فهما أولى بالاتباع، فجميعهم بشر مجتهدون في علومهم غير معصومين من عمل العقل البشري الذي يُصيب ويُخطئ، ويهتدي ويضل. وإذا كان التراث الإسلامي هو فهم المسلمين للإسلام على مر العصور الماضية، فهو بذلك ليس الإسلام نفسه، بل مجموعة من التفاسير التي يُعطيها كل جيل للإسلام بناء على متطلباته، ولا يمكن تقديسه كالنص الديني، أو رفضه بالكلية، بل يجب العمل على تنقيته وتجديده بما يتوافق مع حاجات العصر، والتجديد يكون بالاحتفاظ بالجوهري منه، المُلتزم بالإسلام نصاً وروحاً، والمنسجم مع متغيرات العصر، فتجديد التراث ضرورة واقعية، لإزالة معوّقات التغيير والتطور والتنمية في الإنسان والواقع.

تجديد التراث الإسلامي هو بداية حتمية لتغيير واقع المسلمين، وجزء أساسي من مشروع النهضة للأمة الإسلامية، فلتغيير الواقع لا بد من الانطلاق من التراث، بتغييره أو بتطويره أو بتجديده، باعتباره مخزوناً نفسياً وعقلياً عند الجماهير على مستوى الشعور والوعي، يوّجه سلوكهم، ويُحدد تصرفاتهم، ويصنع واقعهم، لابد من تجديد التراث لإزالة المعوّقات النفسية والعقلية التي تمنع التغيير، ومن ثم تخلق البيئة النفسية والعقلية المُحفّزة لتغيير الواقع، وإحداث النهضة والتنمية، فالتراث بناءً على ذلك ليس مجرد متحفاً للأفكار ومعرضاً للآثار؛ بل هو مخزون ثقافي يوّجه الفكر والسلوك، باتجاه التقدم والتطور، أو باتجاه التأخر والتخلف، ولذلك فهو إما رافعة لمشروع النهضة، أو مِعوّلاً لهدم كل مشاريع النهضة، فمشاريع الإصلاح الاجتماعي والتقدم الاقتصادي في الدول النامية قد تفشل إذا لم تقترن بتجديد التراث الثقافي لتغيير المخزون الفكري السلبي تجاه الأرض والعمل للفلاح والعامل.

وبدون التجديد الدائم والمستمر للتراث الفكري والفقهي الإسلامي تحدث الفجوة بين الشريعة الإسلامية الإلهية الثابتة، وبين متطلبات الواقع المعاصر المتغير والمتطور دائماً وأبداً، ويصبح الدين جامداً ومتحجّرِاً وغير صالح لكل زمان ومكان، وهذا يتناقض مع جوهر الدين ومقاصده في توجيه الحياة الإنسانية. وبدون التجديد المتواصل للتراث الثقافي الإسلامي تتمكن الغزوة الغربية الفكرية من عقول المسلمين لانعدام البديل، فالتجديد هو البديل الإسلامي الصالح لتلبية احتياجات ومتطلبات ومستجدات الواقع المعاصر، فيزول الفراغ الذي صنعه الجمود والتقليد، فلا تجد الثقافة الغربية ثغرة تنفذ منها أو فراغاً تملأه، وفي غياب العصمة لأي عقل بشري مهما كانت عبقريته واستحالة وجود خطاب ديني واحد للأمة الإسلامية، يتعدد الخطاب الديني، والتيارات الفكرية، والمذاهب العقيدية والفقهية... وهذا يتطلب التجديد الدائم والمستمر للتراث الإسلامي لمحاولة الوصول إلى الوسطية في الفكر والعمل، من خلال قراءة واعية للتراث لتنقيته وتجديده.

خُلاصة القول، أنَّ الوحي الإلهي هو الصانع الأول للأمة الإسلامية، ومصدر القوة الأساسي لوجودها الحضاري، وفهم السلف للوحي الإلهي القرآني والنبوي هو التراث الإسلامي الذي أبدعه أسلافنا، وهو كنز ثمين علينا أن نتعامل معه بضوابط واضحة، ومعايير موزونة، بفكر مستنير، وعقل مستبصر، نهتدي به ونسترشد بنوره، فنأخذ منه ما يتفق مع الشرع والعقل، وما ينفع في الواقع المعاصر، ونترك منه ما يناقض الشرع والعقل، وما يضر في الواقع المعاصر، وفي كلا الحالتين لا بد من تجاوز إبداع السلف مع الاعتزاز به والاستفادة منه، إلى إبداع لفكر جديد من نور الوحي الإلهي القرآني والنبوي المتجدد.