شمس نيوز/ القدس المحتلة
كان من المفترض أن يكون الأسير مالك بكيرات، سيد الحدث عند الإفراج عنه. رصدُ تعابيره في اللحظات الأولى هي المهمة التي كان الجميع يحاول إنجازها، لأنها تعكس معاناة وحنين 19 عاما، قضاها يجترح من معاناة كل يوم تفاصيل اليوم التالي على أمل أن يعود لابنته وعائلته ومدينته المقدسة، لكن ذلك لم يحدث تماما كما كان مخططا له، فالاحتلال الذي كمن في تفاصيل كل سنوات بكيرات الماضية، أصرّ أن يكمل مهمته في سلب الأسير المقدسي وعائلته فرحتهم في يوم الإفراج.
يخضع الأسير المحرر لعدة إجراءات في يوم الإفراج عنه، من بينها الاستجواب في غرفة ضابط استخبارات السجن، والتشخيص للتأكد من هويته، وتسلم الأموال التي كانت بحوزته لحظة الاعتقال، وأخيرا النقل بالبوسطة إلى خارج حدود السجن مباشرة (كما في حالة أسرى القدس) أو إلى الحواجز القريبة (كما يحدث مع أسرى الضفة الغربية).
لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تصرّ في حالة الأسرى المقدسيين على اتخاذ إجراءات غير تلك التقليدية، مثل: تأخير الإفراج عنهم، أو نقلهم لمناطق نائية، أو إبعادهم. والهدف من ذلك؛ التحكم بمشاعر الأسرى وعائلاتهم، وترسيخ هذا اليوم في ذاكرتهم كيوم للمعاناة لا للفرح، وهو ما جرى مع الأسير بكيرات، الذي أنهى في سجن النقب الإجراءات الروتينية للإفراج، قبل أن يتم نقله إلى مركز تحقيق المسكوبية سيء السمعة، حيث جرى تأخير الإفراج عنه ليوم كامل، بالتزامن مع مداهمة منزل العائلة واعتقال والده الشيخ ناجح بكيرات.
تقول الباحثة في شؤون الأسرى ومعدّة دراسة “الوعي الجسدي للأسرى تحت التعذيب”، مي هماش، لـ”القسطل” إن الهدف من المفاجآت الإسرائيلية في يوم الإفراج عن أسرى مدينة القدس، هو كسر الفرحة المقدسية، التي تعدّ تعبيرا وطنيا إلى جانب معانيها الإنسانية، وأيضا ضبط المشاعر الفلسطينية، وكسر رمزية يوم الإفراج، وإشعار المقدسي على وجه التحديد بالخوف والقلق في اليوم الذي كان من المفترض أن تكون فيه الانفعالات الإنسانية والوطنية لصالحه.
بدورها ترى الأسيرة المحررة والباحثة في شؤون الأسرى، المحاضرة في جامعة بيرزيت، رولى أبو دحو، في حديثها لـ”القسطل” أن القدس لها خصوصية مختلفة عن المدن الأخرى في منظور الاحتلال، الذي يسعى بكل قوة لإنهاء أي مظاهرة وطنية وفلسطينية فيها بما في ذلك الاحتفال بالأسرى المحررين، خاصة وأن هذه الاحتفالات يغلب عليها الطابع الوطني لأنها مرتبطة بحدث سياسي.
وتشير أبو دحو إلى أن أهالي بعض أسرى مدينة القدس اضطروا لإقامة الاحتفالات بالإفراج عن أبنائهم في مدن أخرى في الضفة الغربية وتحديدا في مدينة رام الله، كما جرى في حالة الأسير المحرر علاء العلي عام 2013، وهذا بحد ذاته يؤكد أن الهدف هو عزل المدينة عن كافة الاحتفالات الوطنية وما تحمله من دلالات.
وبحسب الأسيرة المحررة والباحثة أبو دحو، فإن الاحتلال يحاول تهويد القدس حتى في التفاصيل المتعلقة بالإفراج عن أسراها، كما ويريد ليوم الإفراج عنهم أن يتحول إلى نموذج للردع وتكريس السيادة، بالإضافة إلى سعيه لتفكيك النموذج، التي يبنى في ذهنية الجيل الناشئ عن الأسير، في ضوء أن مظاهر وصور الإفراج تعلق بذاكرة هذا الجيل.
ويتفق الباحث في شؤون القدس، راسم عبيدات، مع الباحثة أبو دحو، في أن الهدف من المفاجآت الاحتلالية، التي ترافق الإفراج عن الأسرى المقدسيين، هو منع أي فعاليات وطنية داخل مدينة القدس، لتكريس ما يسمى بالسيادة الإسرائيلية داخل ما يُطلق عليه حدود بلدية القدس.
ويكشف عبيدات لـ”القسطل” أن مخابرات وشرطة الاحتلال تجريان عملية تفاوض مع أهل الأسير المقدسي المفرج عنه، تتعلق بمظاهر الاحتفال، وتشترطان عدم وجود أي مظاهر وطنية أو فصائلية خلال استقبال الأسير، والهدف من ذلك تطويع العقل المقدسي على فكرة انتفاء المظاهر الوطنية في المدينة.
ويضيف عبيدات أن أهالي الأسرى المقدسيين يتوقعون هذا النوع من الإجراءات والشروط، لذلك لجأوا في كثير من الأحيان إلى حجز القاعات في مناطق العيزرية وأبو ديس ورام الله.
ويؤكد الباحث في شأن السياسات الإسرائيلية في القدس، مازن الجعبري، أن حكومة الاحتلال الإسرائيلي اتخذت قرارا قبل ثلاث سنوات بمنع إقامة أي نشاط أو فعالية وطنية فلسطينية في مدينة القدس، وهذا ما يفسر الاشتراطات الإسرائيلية على الأسير وأهله بخصوص تفاصيل فعاليات يوم الإفراج.
وأشار الجعبري في مقابلة مع “القسطل” إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي تتحايل على قانونها في هذا السياق، حيث يتم الإفراج عن الأسير للحظات بحكم أن محكوميته قد انتهت، ومن ثم يتم اعتقاله من قبل قوة تابعة لأجهزة أمن الاحتلال، ليتم إبعاده أو فرض شروط معينة عليه قبل الإفراج.