قائمة الموقع

معركة مخيّم جنين.. المقاومة تجمعنا

2021-04-10T14:21:00+03:00
حسن لافي.png

بقلم/ حسن لافي

أعادت انتفاضة الأقصى في العام 2000 الفلسطينيين من جديد إلى مسار مقاومة الاحتلال بعد انكشاف خديعة حلّ الدولتين واتفاق "أوسلو" اللذين تنصلت منهما "إسرائيل"، ومن خلفها الولايات المتحدة الأميركيّة، الراعي الوحيد والأوحد لعمليّة التسوية، فكان رد الشعب الفلسطيني بكل مكوناته الشعبيّة والفصائليّة والرسمية إطلاق انتفاضة الأقصى؛ تلك الانتفاضة التي أعادت وحدة الشعب الفلسطيني المنقسم في ذاك الوقت ما بين مؤيّد لاتفاق "أوسلو" وعملية التسوية ومعارض لهما.

مثّلت معركة مخيم جنين في العام 2002، والتي تمر ذكراها في هذه الأيام، أيقونة الوحدة الوطنية الفلسطينية في انتفاضة الأقصى، إذ استطاع مخيم جنين البالغة مساحته كيلومتراً واحداً أن يجمع الكل الفلسطيني بين أزقته، ويحشد طاقات كلّ فصائله المقاومة، رغم اختلافاتها السياسية والإيديولوجية، ضد عدو واحد، هو الاحتلال، فبندقية الشهيد يوسف ريحان أبو جندل الفتحاوية صوّبت في نفس اتجاه بندقية الأسير جمال أبو الهيجا الحمساوي، تحت غطاء انفجارات قنابل الشهيد محمود طوالبة، قائد المعركة، ابن "الجهاد الإسلامي"، الأمر الذي أثبت أنه عندما تغيب التناقضات الداخلية الفلسطينية يحضر التناقض الرئيسي والمركزي مع الاحتلال.

وبالتالي، بات الكلّ الفلسطيني في معركة مخيم جنين أمام مرحلة عنوانها "المقاومة تجمعنا". لذلك، جسد مخيم جنين من خلال المقاومة حالة وحدوية أسطورية من الصمود والتحدي في مواجهة آلة البطش والطغيان الإسرائيلي.

تعتبر دراسة تجارب الشعوب التاريخية المنبع الأهم في تحليل واقعهم الحالي والتنبؤ بمساراتهم المستقبلية. لذلك، إنّ الشعب الفلسطيني مجبر في الذكرى التاسعة عشرة لمخيم جنين على الاستفادة من هذه المرحلة المشرفة في التاريخ الفلسطيني المعاصر للخروج من أزماته المركّبة، سواء على مستوى الانقسام الفلسطيني الداخلي أو على مستوى مواجهة الاحتلال الصهيوني الإحلالي، والأكثر جرأة حسم الصراع لمصلحته نهائياً.

لذلك، تحمل معركة مخيم جنين في جوانبها المتعددة الكثير من الدروس، أهمها:

أولاً، يوفر الاشتباك المباشر مع الاحتلال في كل الظروف، وفي ظل توافر أي من الإمكانيات، البيئة الصحية لتضافر جهود الكل الفلسطيني في خضم المعركة المستمرة، وبالتالي تتجسد الوحدة الفلسطينية الحقيقية سياسياً، لأن الجميع ما زالوا يقرون، في ظل الاشتباك المباشر مع الاحتلال، أنهم في مرحلة التحرر الوطني، بكل ما تحمله من ثوابت وطنية ومضامين لها علاقة بتعريف "إسرائيل" باعتبارها العدو المركزي للشعب الفلسطيني، ولا يمكنها أن تصبح يوماً ما الطرف الآخر، ولا غطاء لأحد، أياً كان، بأن ينسق معها تحت حجج وطنية، لأن التنسيق مع الاحتلال في ظل الاشتباك المباشر معه لا مُسمى له إلا الخيانة.

ثانياً، اندلعت معركة مخيم جنين بين أزقة المخيم، وبالتالي انعكست أخلاقياته وعاداته المجتمعية وأنماطه الاقتصادية على البيئة الحاضنة للمقاومة داخله، حيث مفهوم استيعاب الآخر وإيجاد صيغ التعايش في ظل الاختلاف، وحيث التنوع هو السمة الرئيسية في مخيمات اللجوء الفلسطيني، التي تضم في داخلها الفلسطيني بكل أشكاله الحضرية والقروية والبدوية، وعلى اختلاف أنماطه الثقافية، إضافة إلى ذلك غياب حالة التمايز الطبقي بين الشرائح المجتمعية داخله، الأمر الذي خلق حالة من التضامن الاقتصادي والتكافل الاجتماعي بين كل شرائح البيئة الحاضنة للمقاومة، بعيداً من وهم إنشاء الدولة تحت بساطير الاحتلال التي ولّدت طبقة طفيلية من الوكلاء الكومبرادوريين، الذين ارتبطت مصالحهم بوجود الاحتلال من جهة، وبحالة تفشي الفردانية الاقتصادية والابتعاد عن اقتصاديات المقاومة المتقشفة من جهة أخرى.

تمثل هذه الطبقة من الوكلاء الكومبرادوريين حالة سرطانية. وإذا ما استشرت في الجسد الفلسطيني قتلت الحاضنة الشعبية للمقاومة؛ تلك الحاضنة التي تعد الأكثر استهدافاً في الخطط الصهيونية والأميركية، تحت شعار تجفيف منابع دعم المقاومة.

ثالثاً، خلقت معركة مخيم جنين وما واكبها من مجازر صهيونية في الضفة الغربية أثناء المعركة العسكرية التي أطلقت عليها "دولة" الاحتلال "السور الواقي" حالة من التضامن العربي والإسلامي والدولي مع القضية الفلسطينية، الأمر الذي زجّ "إسرائيل" في قفص الاتهام كواحدة من دول الإجرام في العالم، ولم يجرؤ أحد من العرب والعالم الحر على الاقتراب منها أو التفكير في عقد اتفاقيات تطبيع معها. وقد بدأت الدول العربية التي تربطها بها اتفاقيات تسوية بخفض وتيرة العلاقات معها، في ضوء التضامن الشعبي في العديد من عواصم العالم مع المظلومية الفلسطينية أمام الاحتلال الإسرائيلي.

اخبار ذات صلة