غزة

19°

وكالة شمس نيوز الإخبارية - Shms News || آخر أخبار فلسطين

بابُ العامود: النَّصرُ واضح والمتسلِّقون كُثُر!

باب العامود.jpg
شمس نيوز - وكالات

مقابلَ مشاعر الفخر التي تبثّها هبّةُ باب العامود وشبابها، ظهرت في ميدانه يوم الأحد الماضي قوى وشخصياتٌ محليّةٌ تدخّلت وحاولت البروز على حساب أصحاب التضحيات الحقيقيين، وبعضها تدخّل بما يتناقضُ مع الموقف الشعبيّ العامّ، وبما يُعاكس اتجاهَ الإرادة الحرّة الخالصة لشبان المدينة وأهلها المحاصرين.

ليست هذه المرّة الأولى التي نرى فيها مثل هكذا أدوار، فهي تظهر في كثيرٍ من التجارب النضاليّة على اختلاف أشكالها وسياقاتها. وفي ظلّ هذا التكرار، لا بدّ من التيقُّظ لهذه الأدوار وتوظيفاتها المختلفة، ليس بغرض فضحها فقط، وإنما أيضاً انطلاقاً من الحرص على الحفاظ على إنجازات المواجهة، وتفويت الفرصة أمام أيِّ جهة لقلب نتائجها. عادةً ما تتسلَّقُ هذه الشخصيات على نتائج المواجهات لتحقِّق مآربها الضيّقة، والتي تتناقضُ بشكلٍ تلقائيّ مع المصالح الوطنيّة الجامعة. كما تُستخدم هذه الشخصيات ويُوظَّف حضورها في مشاهد النصر من أجل رسم صورة أنّ هؤلاء هم "الممثلون" لأهالي القدس، بدليل مشاركتهم في "حفل النصر"، وهو توظيفٌ قد يساهم لاحقاً في تمرير إجراءاتٍ جديدة من السيطرة.

تسلُّقٌ ورصيدٌ دعائيّ ..

مساء الأحد، (25 أبريل/نيسان)، وقبيل الاستعداد لليلة جديدةٍ مفترضة من المواجهة، كانَ من أوائل من حضرَ إلى باب العامود النائب في الكنيست الإسرائيلي أحمد الطيبي. كانت ساحةُ باب العامود شبه خالية من الشّبان في حينه، إذ لم يكن الخبرُ بإزالة الحواجز الحديديّة عن المدرَّج قد أُعلن بشكلٍ واضحٍ بعد (هل سرّب أحدهم الخبر للطيبي فكان أول الحاضرين؟). وقف الطيبي، برفقة العضو في إقليم حركة "فتح"، والمرشح لانتخابات التشريعي (إن جرت) ناصر قوس، بالقرب من إحدى تلك السواتر فيما يشبه مشهد قصّ شريط "الحفل". في الوقت ذاته، ظهرَ خبرٌ عاجلٌ مقتضبٌ على إحدى المواقع الإعلاميّة الإسرائيلية عن فتح المدرج مُرفقاً بتصريحٍ من الطيبيّ (أول من حضر وأول من صرّح عن فتح الباب، وكتب بعدها على تويتر لجمهور متابعيه بالعبريّة أنّ رمضان شهر الإيمان والتسامح والمصالحة!). بعدها بقليل بدأت إزالة السواتر.

لم يشارك أولئك في ليالي المواجهة وقنابل الصّوت والضرب الحاقد، ولم يتحرّكوا لتحشيد الشّارع ودعم المتظاهرين. وفي اليوم الذي تُحقِّق تلك الهبّة مطلبها بإزالة الحواجز، يحضرون ويكون معهم من يهتف لهم، والهدف: الظهورُ بمظهر الشريك في الإنجاز أو المُشرف عليه، والاستفادة منه لاحقاً. يعي الناس ذلك، إذ صرخ الشّبان على الطيبي بهدف طرده، وقال أحدهم": "إنت هلأ بس جيت؟!".

ليست هذه المرّة الأولى. فيما يخصّ الطيبي تحديداً، ففي مواجهاتٍ وأحداث سابقة، كإغلاق المسجد الأقصى لبضع ساعات بعد عملية فدائية أو مواجهةٍ ما، عادةً ما يقتحم الطيبي المشهد. تُزال الحواجز الحديدية ويُسمح للناس بالدخول إلى الأقصى بعد دقائق من وصوله، ليدخلَ مع الداخلين بمشهد المُنتصر المشارك في تشكيل الضغط على الاحتلال.

ومن المُلفت في السياق ذاته، أنّ الطيبي، القادم من قلب مشروع المواطنة الإسرائيليّة إلى مشهد مواجهتها في القدس، استخدمَ في دعايته الانتخابيّة لانتخابات الكنيست في مارس/ آذار 2021 مقاطع فيديو له برفقة شخصياتٍ دينيّة من القدس، ومقاطع أخرى تُظهرهُ وهو يلقي خطاباً خلال الهبّة الشعبيّة في باب الأسباط عام 2017 (كان الشباب يشوِّشون عليه بهتافاتهم).

تخاذل ..

كان من المُلفت خلال المواجهة الأخيرة في باب العامود غيابُ بعض الأصوات المؤثرة والتي سبق أن ساهمت وصدّرت مواقف في هبّات ومواجهاتٍ سابقة، كهبّة باب الرحمة عام 2018، وهبّة باب الأسباط عام 2017. لم نشهد بياناً ولا موقفاً واحداً من أيِّ من شيوخ هذه المدينة يحذّر مما يحصلُ في باب العامود أو يدعو لمساندة الناس فيه والتصدي لسياسات الاحتلال (ما عدا تصريح مرتبط للشيخ عكرمة صبري). بل أكدّ البعض على ضرورة الاحتشاد في المسجد الأقصى، وشكّك - بشكلٍ مريب - في نوايا الذين دعوا إلى صلاة التراويح في باب العامود.

كما نشرت صحيفة "كول هعير" الإسرائيلية تسجيلاً مصوّراً للشيخ مصطفى أبو صوي، وهو عضو مجلس الأوقاف، وهو يلقي درساً في الأقصى، وكان مما قاله انتقادٌ لفيديو ظهر فيه شاب فلسطينيّ يُلقي القهوة في وجه مستوطنٍ في محيط باب العامود، قائلاً إنّ ذلك "ليس من أخلاق الإسلام". لا نعرف بالضبط كامل الدرس، لكنّ التعليق المقتطع ينسجمُ مع سياق كل الأوصاف غير اللائقة التي وُصِف بها المتظاهرون في باب العامود في بداية الهبّة. وغيره دعا من منبر الأقصى إلى "تفويت الفرصة على المندسِّين الذين يعيقون وجودنا في المسجد الأقصى"، مؤكداً أنه لا يجوز رفع الصّوت فيه، وذلك في نفس اليوم (الجمعة) الذي احتشد فيه الشبان في ساحاته وأطلقوا الهتافات.

هل غاب َعن تلك الشخصيات أنّ الأقصى ضعيفٌ إذا ما ضعفت حاضنته؟ وهل غابَ عنهم أنّ من يُسيطر على باب العامود ويعرقلُ المرور منه فإنّه بالضرورة يسيطرُ على الأقصى ويمنع الوصول إليه؟ وكيف يمكن بمثل هذه المواقف المُتخاذلة مجابهةُ سياسات "إسرائيل" في محاولتها فكَّ الارتباط بين الدينيّ والسياسيّ والاجتماعيّ في هذه المدينة؟ وهل تخدم مثل هذه التصريحات، ومثل هذا الصمت، ادِّعاء شرطة الاحتلال قبل حوالي أسبوع أنّ إغلاق مدرّج باب العامود جاء من أجل تشكيل مسارب للمشاة لأهداف "تسهيل وتأمين خروج المصلين من وإلى البلدة القديمة"؟

الوسيط

كذلك ظهرت في ميدان باب العامود شخصية "الوسيط" الذي يُروّج له كأحد "أبواب الحل". ظهرت تلك الشخصية بشكلٍ فجّ في الميدان، وفي بعض الأحيان من وراء الكواليس. مساء الأحد (18 أبريل/نيسان) تحديداً، أعطت الشرطة مكبّر الصّوت لأحد المسؤولين عن تنظيم البسطات في منطقة المصرارة وباب العامود. طالب المتحدث الشّبان بالتفرق، و"وعدهم" بأنّ الشّرطة ستُزيل الحواجز صباح اليوم التالي. لم يحدث ذلك بطبيعة الحال، لكنّ الشخص ذاته كان من أوائل من "بادر" إلى فكّ الحواجز الحديدية ليلة الأحد (25 أبريل) في مشهدٍ ربما حرصت شرطة وبلدية الاحتلال على صنعه ليبدو أن "ثمار الوساطة" قد آتت أكلها، وبالتالي هناك "من يمكن التحدث معه" في مواجهاتٍ لاحقة.

بعد ذلك، أمسك الشخص ذاته مكبّر الصّوت الخاصّ بالشرطة ليقول للشبان إنّ "إلقاء الحجارة لن يجلب الخير وأن من يفعل ذلك غير وطني"، ثم كرر "الوعد" - على شكل "جائزة" هذه المرّة، بالقول "ستكون هناك حفلة في الغد"، يقصد بذلك فعالية ترفيهية مساء اليوم التالي (الاثنين)، في محاولةٍ لضبط المشهد الوطني الفَرِح بإنجاز الشباب واختراقه بحضور بلدية الاحتلال وتمويلها نشاطات أمام الباب (يُذكر أن الاحتلال سبق ونظّم فعاليات رمضانية عام 2017 في باب العامود). فيما ردّ عليه الشبان بتصعيد الهتافات ورمي قارورات الماء الفارغة باتجاهه.

يعرفُ الناس جيّداً من خذلهم ومن تواطئ عليهم، ومن يسير بعكس مسارهم. ومن المهم، والفلسطينيون في القدس يسجّلون انتصاراً جديداً على سياسات الاحتلال في شرذمتهم وضبطهم وتهويد مدينتهم، الانتباه إلى ممكنات القوّة في ما سبق من مواجهة. وكذلك اليقظة أمام مختلف الأطراف التي ستسعى للاستفادة مما حصل، بالتسلّق عليه، أو التآمر عليه، والحرص على إبعادها عن مشاهد المواجهة وتفاصيلها.