قائمة الموقع

عملية انتزاع الحرية تعيد الملحمة الجهادية إلى سيرتها الأولى

2021-09-09T12:39:00+03:00
خالد صادق.jpg
قلم/ حالد صادق

الأحداث تتكرر في تشابه عجيب، فما بين الأمس واليوم حكاية مجد لا تتوقف وسيرة لا تطويها الذاكرة ولا توالي الأيام والأحداث،

ما بين الأمس واليوم أحداث وذكريات وأسرار لم تكشف بعد عن محطات مهمة في التاريخ الجهادي المميز للشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة.

إنها ليلة السابع عشر من مايو آيار 1987، التي شهدت واحدة من أعظم العمليات الأمنية المعقدة التي شكلت صفعة قوية لمنظومة الأمن الصهيوني، تمثلت تلك العملية بنجاح ستة من أسرى حركة الجهاد الإسلامي باجتياز كل الإجراءات الأمنية عالية التحصين التي أحاطت بسجن غزة المركزي "السرايا"، وحدها عناية الله تعالى هي التي ساعدت مصباح الصوري ورفاقه في تلك الليلة على تجاوز كل التحصينات والإجراءات الأمنية والعبور نحو فضاء الحرية.

قبيل ذلك التاريخ بقليل كان مؤسس حركة الجهاد الإسلامي الدكتور فتحي الشقاقي قد كلّف المجاهد زياد النخالة بتشكيل أول جهاز عسكري للحركة، وكان وقتها النخالة هو مسؤول الحركة في غزة، جاء قرار التكليف للنخالة بعد أن تعرض مجاهدو الحركة في ذلك الوقت لسلسلة من الملاحقات والاعتقالات من قبل الاحتلال الذي زج بهم في السجون.

كان مؤسس الحركة رحمه الله يسعى لتحشيد الجماهير خلف خيار الجهاد والمقاومة، وكانت فلسفته في ذلك تستند إلى العمل المقاوم كسبيل لرفع المعنوية لدى الشباب ليقود الجماهير نحو الثورة الشعبية في مواجهة الاحتلال.

بدأ النخالة بالعمل على تشكيل جهاز عسكري للحركة وإدارة العمليات الفدائية، لكن حدثاً كبيراً تمثل في نجاح ستة من أسرى الحركة في السجون بقيادة مصباح الصوري باجتياز تحصينات سجن غزة وتحرير أنفسهم من ذلك السجن اللعين.

كان هذا الحدث يمثل تحدياً كبيراً أمام ما يقوم به النخالة من بناء جهاز عسكري للحركة، وهنا برز النخالة مرة أخرى كقائد يجيد التعامل مع كل الظروف، حيث شكل على الفور خلية لإدارة تأمين المجموعة التي كسرت القيد، وقد اعتمد في ذلك على مجاهد صلب وعنيد هو عبد الله السبع الذي تولى المهمة، وبتوجيه من النخالة قام عبد الله السبع بتوفير مخبأ آمن للمجاهدين في أحد الحقول الزراعية، وبدأ بتنسيق إيصال كل وسائل الدعم لهم وتأمين مستلزماتهم ومتابعة أوضاعهم.

لم تكن إدارة تلك الفترة بالأمر الهين ولا اليسير، ولكن رعاية الله وعنايته التي رافقت الجميع في تلك المحطة المفصلية والهامة، ثم الجهود المخلصة والأمينة التي سخرها الله تعالى، والمتابعة والخبرة الأمنية في التعامل مع الأزمات كانت كفيلة بفضل الله بأن تتحقق نتائج عظيمة وفارقة في مسيرة الشعب الفلسطيني.

كانت بالفعل فترة عصيبة وتحديات كبيرة تمثلت في زيادة وتوسيع العدو لملاحقته لكل تحركات المجاهدين من أبناء حركة الجهاد الإسلامي واعتقالات عشوائية واحترازية، وإجراءات بالغة التعقيد اتخذها العدو لمحاصرة مجموعة الصوري ورفاقه وقطع كل سبل الاسناد والدعم لهم.

الخطة التي عمل عليها الصوري ووفق التوجيهات التي كانت تتم حددت أساساً مهماً للحماية وهو الهجوم "فلا اقتحم العقبة" ، وبالتالي كان العمل الفدائي هو الوسيلة الناجعة لتحقيق الأهداف المرجوة، وفي واقع الأمر كانت هذه رغبة المجاهدين جميعاً بأن يواجهوا ولا يستسلموا، وأن يبقوا داخل أرض المعركة، وبالتالي كان ما يشبه تبادل الأدوار وتوزيع المهام، وقد تحقق في نهاية المطاف ما رسمته قيادة الحركة وعلى رأسها المؤسس الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله، الذي كان يسعى جاهداً لأن ينقل المعركة والمواجهة من خارج حدود الوطن إلى داخله وأن تحمل الجماهير كلها مسؤولية التحرير من خلال الثورة.

ربما الظروف تتشابه وتعقيدات الأوضاع الداخلية الراهنة قريبة وانشغال الناس بهموم العيش وقسوة الحياة وانفتاح البعض عليها قريب الشبه بظروف الثمانينات، والحالة الفلسطينية الداخلية اليوم في أمس الحاجة إلى من يقرع الجرس ويعيد الحالة كلها إلى الطريق وإلى أصل الحكاية، ويزيل الغشاوة التي علقت بالأبصار، لترى الحقيقة التي مفادها أن ثمة عدو يحتل الأرض ويتغول في كل تفاصيل الحياة من أجل تسميمها وكي وعينا الجمعي والنفاذ من ثغرات الانقسام والتشظي الذي أصابنا منذ اتفاق أوسلو المشؤوم وقبولنا بسلطة تحت بساطير الاحتلال.

هذا دور الجهاد الإسلامي وهذا دور قيادته، وهذا اليوم أمينها العام المؤتمن منذ تكليفه الأول وحتى هذا اليوم، وهو يسير على نفس الطريق بوعيه وتراكم خبراته السياسية والميدانية والتنظيمية.

اليوم تأتي عملية انتزاع الحرية التي كسر خلالها ستة أسرى قيود السجن وحطموا منظومة أمن العدو في سجن جلبوع، تأتي لتزرع أملاً جديداً وتعيدنا إلى سيرة الجهاد الأولى، وإمكانية تكرار الأحداث التي أدت إلى اندلاع الانتفاضة/ الثورة (كما كان يسميها المؤسس الشقاقي)، ومعرفتي بقيادة الجهاد الإسلامي وأمينها العام أن لديه من الإصرار والفدائية وتحمل المسؤولية ما يجعل كل شيء متاحاً لاتخاذ القرار المناسب، تماماً كان القرار جاهزاً والظروف مواتية في العام 87.

نعم، هو زمن طويل مر، وذاكرة مشبعة بالتفاصيل الكثيرة والتطورات المتلاحقة وتعقيدات الواقع وآلام المخاض الجديد الذي تمر به الحالة الفلسطينية كلها، لكن معية الله دوماً تحرس المخلصين ورعاية الله لا تحجبها عوامل البشر ولا انتكاسات السياسة وعبثيتها، رعاية الله تمضي بنا إلى هذا اليوم وإلى ما بعده، وبعده إن شاء الله سيكون الخير لفلسطين وشعبها ومقاومتها.

اخبار ذات صلة